فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 167

ومن ذلك غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يعرضون بالغيبة تعريضًا يفهم به كما يفهم بالصريح، فيُقال لأحدهم: كيف حال فلان؟ فيقول: اللّه يُصلحنا، اللّه يغفر لنا، اللّه يُصلحه، نسأل اللّه العافية، نحمدُ اللّه الذي لم يبتلنا بالدخول على الظلمة، نعوذ باللّه من الشرّ، اللّه يُعافينا من قلّة الحياء، اللّه يتوبُ علينا وما أشبه ذلك مما يُفهم منه تنقُّصه، فكل ذلك غيبة محرّمة، وكذلك إذا قال: فلان يُبتلى بما ابتلينا به كلُّنا، أو ماله حيلة في هذا، كلُّنا نفعلُه، وهذه أمثلة وإلا فضابط الغيبة: تفهيمك المُخَاطَبِ نقص إنسان كما سبق، وكلُّ هذا معلوم من مقتضى الحديث الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا عن صحيح مسلم وغيره في حدّ الغيبة، واللّه أعلم. [1]

الحالات التي تجوز فيها الغيبة:

الأولى التَظَلُمُ: ودل عليه ما رواه جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى جِئْنَا امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فِي الأَسْوَاقِ فَجَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِابْنَتَيْنِ لَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَاتَانِ بِنْتَا ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَدِ اسْتَفَاءَ عَمُّهُمَا مَالَهُمَا وَمِيرَاثَهُمَا كُلَّهُ فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا إِلاَّ أَخَذَهُ فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَ اللَّهِ لاَ تُنْكَحَانِ أَبَدًا إِلاَّ وَلَهُمَا مَالٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَقْضِى اللَّهُ فِي ذَلِكَ» . قَالَ وَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) الآيَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ادْعُوا لِيَ الْمَرْأَةَ وَصَاحِبَهَا» . فَقَالَ لِعَمِّهِمَا: «أَعْطِهِمَا الثُّلُثَيْنِ وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقِىَ فَلَكَ» . قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَخْطَأَ بِشْرٌ فِيهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ. [2]

الثانية الاستِفتَاءُ: ودل عليه قولُ هِنْد امرأة أَبِي سُفْيَانَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ فَهَلْ عَلَىَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ قَالَ: «خُذِي بِالْمَعْرُوفِ» . [3]

الثالثة التَحذِيرُ: ودل عليه قول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رضي الله عنها: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتَقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» . [4]

قال النووي: وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز ذِكْر الْإِنْسَان بِمَا فِيهِ عِنْد الْمُشَاوَرَة وَطَلَب النَّصِيحَة وَلَا يَكُون هَذَا مِنْ الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة بَلْ مِنْ النَّصِيحَة الْوَاجِبَة.

(1) - الأذكار النووية للإمام النووي - 1/ 428

(2) - رواه أَبُو دَاوُدَ- كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الصلب، حديث: 2520، والترمذي- كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث البنات، حديث: 2069

(3) - رواه البخاري-كتاب النفقات، باب وعلى الوارث مثل ذلك وهل على المرأة منه شيء وضرب- حديث: 5061، ومسلم- كتاب الأقضية، باب قضية هند- حديث: 3319

(4) - رواه مسلم- كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها - حديث: 2787

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت