وقال المهلب لبنيه: ابا بني! تبادلوا تحابوا، فإن بني الأم يختلفون فكيف بنو العلات؟ إن البر ينيئ في الأجل ويزيد في العدد، وإن القطيعة تورث القلة وتعقب النار بعد الذلة، واتقوا زلة اللسان، فإن الرجل تزل به رجله فينتعش، ويزل لسانه فيهلك؛ وعليكم في الحرب بالمكيدة، فإنها أبلغ من النجدة، فإن القتال إذا وقع وقع القضاء، فإن ظفر فقد سعد، وأن ظفر به لم يقولوا فر (1) . وأوصى ولده يزيد حين استخلفه على خراسان من جملة ما أوصاه: ايا بني! استعقل الحاجب، واستظرف الكتب، فإن حاجب الرجل وجهه، وكاتبه لسانه (2) .
وحين حضرته الوفاة، دعا ابنه حبيبة ومن حضره من ولده، ودعا بسهام فحزمت ثم قال: «أفترونكم كاسريها مجتمعة؟» قالوا: الا!)، فقال:
أفترونكم كاسريها متفرقة؟»، فقالوا: انعم!»، قال: فهكذا الجماعة (3) ، فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن صلة الرحم تنسئ في الأجل وتثري المال وتكثر العدد، وأنهاكم عن القطيعة فإن القطيعة تعقب النار وتورث الذلة والقلة، فتحابوا وتواصلوا واجمعوا أمركم ولا تختلفوا، وتباروا تجتمع أموركم. إن بني الأم يختلفون فكيف ببني المحلات؟ وعليكم بالطاعة والجماعة، وليكن فعالكم أفضل من قولكم، فإني أحب للرجل أن يكون العمله فضل على لسانه، واتقوا الجواب وزلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فينتعش من زلته ويزل لسانه فيهلك. اعرفوا لمن يغشاكم حقه، فكفى بغدق الرجل ورواحه إليكم تذكرة له؛ وآثروا الجود على البخل، وأحبوا العرب واصطنعوا العرف، فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك، فكيف الصنيعة عنده؟! عليكم في الحرب بالأناة والمكيدة فإنها أنفع في الحرب من
(1) البيان والتبيين (2/ 219. 210) ، وبنو المهلب هم: المغيرة ويزيد ونبيعة ومدرك وحبيب ومحمد والمفضل.
(2) وفيات الأعيان (4/ 435) .
(3) الطبري (191/ 5) ووفيات الأعيان (4/ 435) وتاريخ ابي الفدا (197/ 1) وابن الأثير. (183/ 4)