كانت إمارة أنطاكية الصليبية أول إمارة أقامها الفرنج في بداية حروبهم الصليبية، وعاشت تحت حكم الفرنج مائة وإحدى وسبعين سنة، ولهذا فقد كان تحريرها ضربة قوية لهيبة الصليبيين ووجودهم، وفي الوقت ذاته كان تدمير أنطاكية وتحريرها ضربة قوية للمسيحيين الوطنيين الذين لم يتوقفوا عند حدود التعاون مع الفرنج الصليبيين، وإنما تجاوزوهم لمن كان أخطر منهم، وهم المغول، ولهذا فقد اعتبرت هذه الضرية تأديبة لهم.
ولم تنهض أنطاكية بعد ذلك؛ إذ فقدت أهميتها التجارية وتحولت إلى مجرد قلعة على طرف حدود البلاد الإسلامية، وانتقل موظفو الكنائس إلى مواضع أكثر أهمية، بحيث لم يمض زمن طويل على سقوط أنطاكية، حتى استقر في دمشق كل من الكنيستين الأرثوذكسية واليعقوبية بسوريا.
وإذ ضعفت أرمينيا وتدمرت أنطاكية، قرر الداوية أنه أضحى من المحال عليهم البقاء في قلاعهم المعزولة في جبال الأمانوس، فجلوا بدون قتال عن بغر اس وقلعة «لاروش دي روسول» ، التي تقل عنها شأنا، ولم يبق من إمارة أنطاكية سوى مدينة اللاذقية التي أصبحت جيبأ معزولا، وقلعة القصير التي انعقدت أواصر الصداقة بين قائدها وبين المسلمين، فسمحوا له بالبقاء لمدة سبع سنوات أخرى، على أنه من أتباع السلطات بيبرس الذي أخلد فترة قصيرة إلى الراحة بعد تحريره الإمارة أنطاكية، وأخذ في الإعداد لمجابهة التطورات المحتملة، حيث ظهرت بعض الشواهد التي تشير إلى احتمال قيام المغول بدور إيجابي كبير، وفي الوقت ذاته، ترددت شائعات عن قيام ملك فرنسا «القديس لويس» بالإعداد لحملة صليبية ضخمة، ولهذا، فعندما أرسل الوصي على عکا
هيو» يطلب عقد هدنة؛ رد «بيبرس) عليه بإيفاد سفارة إلى عكا تعرض وقف العداوة بصفة مؤقتة.
وكان «هيوه يأمل في الحصول على بعض الامتيازات، فحاول أن يهدد السفير محيي الدين بأن أستعرض قواته في تعبئة القتال، غير أن محيي الدين) اكتفى في إجابته عليه بقوله: «إن كل هذا الجيش ليس في كثرة العدد ما يضارع الأسرى الفرنج في القاهرة.
وطلب أمير أنطاكية ابوهمند» أن يدخل في عقد الهدنة، وساءه أن السلطان بيبرس لم يخاطبه في إجابته إلا على أنه كونت؛ نظرا لأنه فقد إمارته أنطاكية، غير أنه قبل في ارتياح ما تها له من فترة للاستقرار.