فهرس الكتاب

الصفحة 524 من 654

ضرورة ربط ما حدث في «عين جالوت» بممهداته ونتائجه، وكانت الممهدات والنتائج أكثر اتساعا وأبعد عمقا من الحدث ذاته، في إطاره الزمني والمكاني. ويصبح من الطبيعي أن يحتل حدث أعين جالوت» مساحة محدودة هنا في مجال البحث، بقدر المساحة التي احتلتها سيرة القائد المظفر قطز» ..

لقد قررت معركة عين جالوته مصير المغول البرابرة، بقدر ما قررت مستقبل العرب المسلمين ومستقبلهم فوق أرضهم، وبقدر ما قررت أيضأ مصير الإمارات الصليبية التي أقامها الفرنج فوق الأرض الطاهرة من بلاد الشام. ولكن قد يكون من الضروري أيضا الإشارة إلى مجموعة تلك المقاومات التي واجهتها قوات الغزو فوق كل شبر من الأرض العربية في ميافارقين، وفي «حلب» وفي

دمشق». جاءت ثورة دمشق لتعيق قائد المغول اكتبغا» بعضا من الوقت الذي ضمن اللمظفر قطز» مزيدا من حرية العمل العسكري في حدود الزمن المتوافر، وبالإضافة إلى ذلك، فقد استنزفت هذه المقاومات المتتالية بعضا من قوة المغول، كما أن القاعدة الصلبة للمسلمين والشعور العدائي ضد الغزاة قد وضع التتار في محيط معزول، فكانت ضرباتهم في شبه فراغ. ومن هنا تظهر ضرورة وضع المعركة في إطارها العام السابق واللاحق - قضية أخرى، كان لا بد من طرحها ببعض التفصيل، وهي قضية التنسيق والتعاون بين قوات الفرنج وقوات المغول وما تم خلالها من اتصالات و اتفاقات، ومحاولة الفرنج تنظيم «الحرب بالوكالة، وإغراء المغول على الاضطلاع بما عجز الغرب عن تحقيقه

قد يشعر الإنسان بشعور متناقض من قضية الصراع بين قادة المسلمين، وما انتهى إليه ذلك الصراع؛ من قتل لقائد معركة عين جالوت» على يد صنيعنه ابيبرسا، ولكن ما قام به ابيبرس، من أعمال وما حققه من إنجازات تشفع له عند المسلمين، وتبقى قضية القتل معلقة بين «بيبرس وخالقه حتى يوم الحساب. وقد استطاع ابيبرس، في الواقع انتزاع إعجاب المسلمين والحصول على محبتهم بعد کره؛ لا بسبب أصله كعبد رفيق، فقد تجاوز الإسلام ذلك، وإنما بسبب غدره بقائد اعين جالوت، وبطلها.

تلك هي بعض صفحات من الأيام الصليبية، وهي صفحات فيها صورة المسلمين في أصعب فترة عاشوها منذ الفتح، وفيها ما هو مشرق وما هو مظلم، ولكن صمود المسلمين وعنادهم وفضائلهم الحربية وقوة إيمانهم قد بعث النور من قلب الظلام، فأشرقت الدنيا بانتصارهم، بالرغم من كل ما عانوه، وبالرغم من كل ما تعرضوا له واحتملوه. وتوقفت الأيام الصليبية، ولا زالت الحرب مستمرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت