أصدر الملك اجاي» أوامره إلى كونت طرابلس «ريموند» لقيادة قواته قبل فوات الأوان واقتحام خطوط المسلمين، فحمل بكل رجاله على القوات التي يقودها تقي الدين، ابن أخي صلاح الدين، فأفسح له تقي الدين الصفوف، حتى إذا نفذ ريموند بفرسانه، سد تقي الدين هذه الثغرة، فلم يستطيعوا العودة إلى رفاقهم، فغادروا ميدان القتال وقد أستبد بهم البؤس واتخذوا طريقهم إلى
طرابلس، ولم يلبث سيد إبلين «باليان وسيد صيدا درينالد» أن شقا لهما بعد فترة قصيرة طريقة إلى خارج أرض المعركة، فكانا آخر من تمكن من مغادرة ساحة الحرب
ولما انهزم الكونت اريموند» أنهارت القوى المعنوية للمقاتلين وكادوا يستسلمون، ثم أدركوا أنهم لا ينجيهم من الموت إلا الإقدام عليه، فحملوا حملات متلاحقة على صفوف المسلمين، وكانت حملاتهم تصطدم بجدار صلد فترغمهم على التراجع بعد أن يفقدوا قسما كبيرا من قوتهم. وفي إطار هذا القتال اليائس حاول الفرنج الانسحاب إلى قمتي التل (المعروفتين بقرني حطين) ، وتقرر نقل خيمة الملك الحمراء ونصبها بأعلى القمة، والتف الفرسان حوله. وقام فرسان الفرنج بهجمات متتالية من موقعهم وردهم المسلمون في كل مرة حتى وصلوا إلى خيمة الملك ذاته، وكان ذلك إيذانا بانتهاء المعركة.
ولقي أسقف عکا مصرعه خلال المعركة، كما استولى المسلمون على الصليب المقدس الذي كان يحمله أثناء المعركة (والذي يسمونه صليب الصلبوت، ويذكرون أن فيه قطعة من الخشبة التي يزعمون أن المسيح انه قد صلب عليها) ، ولم يفلت من الهلاك من خيل الفرسان سوى عدد ضئيل. ولما بلغ المنتصرون الظافرون قمة التل، ألفوا الفرسان وبينهم الملك، وبلغ بهم التعب والإرهاق أشده حتى لم تعد لديهم القوة لتسليم سيوفهم، وجرى حمل قادتهم إلى الخيمة التي قرر صلاح الدين إقامتها فوق أرض المعركة.
استقبل صلاح الدين في خيمته الملك (جاي، وأجلسه بجانبه، واستقبل معه عددا من أمراء المملكة وباروناتها، وحياهم صلاح الدين في لطف ورقة. وإذ شهد ما حل بالملك (جايه من ظمأ ناوله كأسا من الجلاب الذي أثلجه بقطع الثلج الوارد من جبل الشيخ أحرمون»، فشرب منه اجاي» ثم سلمه إلى «رينالد» الذي كان يجلس إلى جانبه. ووفقا لتقاليد الضيافة الإسلامية فإنه متى جرى بذل الطعام أو الشراب للأسير، فإن ذلك معناه الإبقاء على حياته، ولذا بادر