التعب والإرهاق. ولم يكد «ريمونده کونت طرابلس يعلم بهذه الأنباء حتى ركب من المقدمة وأخذ يصيح: «يا الله. انتهت الحرب لقد هلكنا وزالت المملكة. وبناء على نصيحة «ريموند» أقام «جاي» معسكره خلف لوبية مباشرة تجاه منحدر قرون حطين حيث تقع بئر، والتف كل الجيش حول ريموند، غير أن اختيار الموضع كان سيئة نظرا لجفاف البئر.
أما صلاح الدين، الذي عسکر بجنده في الوادي المعشب من تحتهم، فإنه لم يستطع أن يکتم فرحه وسروره، إذ حانت له آخر الأمر الفرصة التي ينشدها. وأمضى المسيحيون ليلتهم في بؤس، يستمعون إلى ما يتردد في خيام المسلمين من تحتهم من الأدعية والأناشيد. وانطلق من المعسكر المسيحي جماعة من العساکر طلبا للماء، غير أن محاولتهم ضاعت هباء، بل إنهم لقوا مصرعهم على أيدي المجاهدين في سبيل الله الذين عملوا على إحراق الأعشاب والشجيرات الجافة التي تغطي التل، ما زاد من عناء المسيحيين ومتاعبهم لا سيما بعد أن غشي الدخان الساخن المعسكر المسيحي.
وهكذا، فما كاد يبزغ فجر يوم السبت 4 تموز - يوليو سنة (1187 م) حتى تم تطويق جيش الملك جاي، وعندما نظم الفرنج قواتهم لم يخطر بخلد مقاتلي الفرنج إلا فكرة واحدة تدور حول الماء، إذ حاولت جماعة كبيرة منهم أن تشق لها طريقة على المنحدر المؤدي إلى بحيرة طبرية التي تلمع مياهها تحت التل، غير أنه جرى ردهم إلى التل، وقد غشاهم من كل جانب لهيب الحرائق، وطوقهم المسلمون من كل جانب، فلقي عدد كبير مصرعهم على الفور، بينما وقع آخرون في الأسر.
(ورمي مشاة المسلمين من النشاب ما كان كالجراد المنتشر فقتلوا من خيول الفرنج كثيرة. واختلط فرسان الفرنج بمشاتهم وهم يقاتلون في محاولة لاختراق صفوف المسلمين والوصول إلى طبرية لعلهم يردون الماء، فلما علم صلاح الدين مقصدهم، صدهم عن مرادهم - هدفهم - ووقف بالعسكر في مواجهتهم، وطاف بنفسه على المسلمين يحرضهم ويأمرهم بما يصلحهم وينهاهم عما يضرهم، والناس يأتمرون لقوله ويقفون عند نهيه) . واستقتل فرسان الفرنج فقاموا بهجمة بعد هجمة، ولكن المسلمين أحبطوا هجماتهم، وكبدوهم خسائر فادحة في كل هجمة، فأخذت أعدادهم في التناقص، وبدأت قواتهم في الانهيار بعد أن أضعفها الظمأ الشديد.