عن أقواس جمعت حجارته من الأهرامات، فكانت كجبل ممدود من الأرض، يقصد به أن تسلك عليه عساکره في أي وقت، كما بنى في شمال القاهرة، في المكان الهام الذي عرف للعرب أيام الفتح باسم «أم دنين» ثم باسم «المقس الوجود الماکس؛ أي: جابي الضرائب، برجا هائلا عرف بقلعة المقس أو «قلعة قراقوش.
وفوق ذلك، اهتم صلاح الدين بتحصين ثغور مصر البحرية على ساحل البحر الأبيض لتتمكن من صد الحملات البحرية المعادية، لا سيما بعد تلك الحملات الهائلة التي هاجمتها، فقام بتحصين دمياط على فرع النيل. وبما أن دمياط كانت دار صناعة للسفن الحربية تخرج منها الأساطيل للجهاد، فيكون لها ببلاد العدو صيت ورهبة، فأمر صلاح الدين بتقوية السلاسل الحديدية الثقيلة التي كانت تشد بين برجين من الحجر حتى لا تستطيع المراكب المعادية أن تدخل الميناء
وفي سبيل استكمال وسائل الدفاع عن البرجين رتب المقاتلة فيهما، كما شدت مراكب إلى السلسلة ليقاتل عليها. كذلك أمر بترميم سور المدينة الذي تهدم بعضه من غارة الفرنجة عليه، واهتم بعمارة قلعة تنيس وسورها ونقل أهلها إلى دمياط وجعلها للمقاتلة فقط.
أما الإسكندرية، وهي المدينة الكبرى على ساحل البحر، وكانت هي الأخرى دار صناعة سفن، فإنه أمر برمي أكثر من أربعمائة عمود بشاطئ البحر، من العواميد الرومانية، حتى تعيق العدو إذا تقدم، كما جدد أسوارها وأحاطها بالخنادق.
وكان صلاح الدين شديد الاهتمام بهذه التحصينات، فسافر إلى كل من دمياط والإسكندرية ليشرف عليهما، وبلغ ما أنفقه على تحصينات دمياط وحدها مليون دينار. كذلك وضع الأجناد، ربما الخصيان، في الثغور بالساحل الحراستها، واهتم بمراقبة السفن الداخلة والخارجة إلى مصر، فأعد أمناء للصعود إلى المراكب لتقييد أسماء الركاب الوافدين وصفاتهم وأسماء بلادهم.
واهتم أيضا بعمل مراکز محصنة أو نقط حراسة في شبه جزيرة سيناء، وهي المنطقة الصحراوية التي تفصل بين مصر ومملكة اللاتين بفلسطين، الممتدة إلى حدود مصر في صحراء النقب، وجاءت جميع غزوات الفرنج لمصر عن طريقها، فأمر بإنشاء سلسلة من القلاع أهمها قلعة صور في قلب سيناء شرقي