مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. (الشعراء: 192- 195) ، وقد أنزل الله سور القرآن هدى للعالمين، ومغفرة للمتقين، ومحجة للسالكين، مشتملة على ما فيه من هداية الناس، وصلاحهم وفلاحهم وسعادتهم في الدارين، الدنيا والآخرة.
وفيها الإرشاد إلى أقوم سبيل، فمن تمسك بما في هذه السور هدي، ومن سار على ضوئها غنم، وتزول بالتمسك بها الضلالات المتفرقة، والجهالات المتنوعة، لا يوجد لأحد عذر في ترك ما جاء في القرآن وفي سور القرآن، وفي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لا يوجد عذر لهم، فبعض الناس قد يبني تركه للكتاب والسنة على التصورات والآراء والتجارب والخبرات والعوائد والتقاليد، أو الأذواق كما عند الصوفية، والمواجيد أو غير ذلك، هذا لا نقدمه على الكتاب والسنة، بل نقدم نصوص الوحيين عليهما.
في قوله رحمه الله: (فِي مُنْزَلِ السُّوَرْ) فيه لفتة عظيمة لبيان إبطال العقائد الفاسدة، أفضل طريقة لبيان تلك العقائد التي لم ينزل فيها وحي من الله سبحانه وتعالى، وقد سلك الأنبياء هذه الطريقة، في رد عقائد المبطلين، كيف نبطل عقائدهم؟ بالقرآن، قال يوسف عليه السلام: { ... أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ... } . (يوسف: 39، 40)
وكذلك قال سبحانه: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} . (النجم: 19، 20)
فالعقائد تقسم إلى قسمين: عقائد نازلة، وعقائد نابتة.
والعقيدة النازلة: هي التي نزل بها من الله سلطان، وهي العقيدة الصحيحة، بل لابد أن تكون العقيدة صحيحة، لا تكون كذلك إلا إذا نزل بها وحي من الله؛ لأن الدين لله، وهو ما رضيه لعباده، قال سبحانه:
{ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} . (المائدة: 3) ، قال سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} . (آل عمران: 85) .
والعقيدة النابتة: هي التي نبتت في الأرض، وأنشأها أناس واخترعوها من نسج خيالهم ووساوسهم، ووسواس صدورهم، وحصائد تجاربهم وأفكارهم، وكلُّ عقيدة نبتت في الأرض أيًّا كانت طريقةُ نباتِها فهي باطلة؛ لأنها ليست قائمة على وحي.