و الجواب في المغازي النبوية، ففي إحدى السرايا أسر سيد بني حنيفة ثمامة بن أثال الحنفي
و هم لا يعرفونه، فأتوا به إلى رسول الله فعرفه و أكرمه، و أبقاه عنده ثلاثة أيام، و كان في كل يوم يعرض عليه الإسلام عرضا كريما فيأبى، و يقول:"إن تسأل مالا تعطه، و إن تقتل تقتل ذا دم، و إن تنعم تنعم على شاكر" [1] .
فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أطلق سراحه، فأسلم بعدها ثمامة و معه قومه، و كانت لإسلامه آثار بعيدة.
و كل عاقل يدري أن من أكره على شيء لا يلبث أن يتحلل منه إذا وجد الفرصة سانحة له، بل و يصبح حربا على هذا الذي أكره عليه.
كما أن أخطار الإكراه أكثر من بقاء الكافر على كفره، فهي تنقله من الكفر للنفاق،
و هو في أسفل السافلين، و من مسالم أو ذمي أو مؤَمن أو معاهد إلى زنديق يمكر بالإسلام
و أهله، و يتحامل مع أعدائهم دون أن يدري أهل الإسلام أمره لاشتباهه عليهم.
و لكن حقائق التاريخ تكذب هذا، فنعلم أن العرب- إلا شرذمة - ثبتوا على ما تركهم عليه الرسول، و حملوا الرسالة، و بلغوا الأمانة كأحسن ما يكون البلاغ إلى الناس كافة، و لم يزالوا هم و من أسلم على أيديهم من الأقوام و الأمم يكافحون و يجاهدون في سبيل تأمين الدعوة و إزالة العوائق من طريقها حتى بلغت ما بلغ الليل و النهار في أقل من قرن من الزمان.
و من يطلع على شمائل المسلمين في فتوحاتهم لا يسعه إلا أن يجزم بأن هؤلاء الذين باعوا أنفسهم رخيصة لله، لا يمكن أن يكون قد تطرق الإكراه إلى قلوبهم، و في صحائف الأيام التي خطوها أقوى برهان على إخلاصهم.
ثم كان من حال المسلمين عربا و عجما أن ذهبت ريحهم، و انقسمت دولتهم، و صاروا شيعا و أحزابا، و تعرضوا لمحن جمة، كل واحدة كافية للمكره على الإسلام أن يتحلل منه و يرتد عنه.
فأين هم الذين ارتدوا عنه؟
بل أين الدول الإسلامية التي خضعت للنصارى عهودا؟
(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي؛ تح: علي محمد البجاوي. دار الجيل: بيروت. ط (1) ، 1412. ج 1، ص 64.