فالمسلمون انتشروا في أرض الله الواسعة و قاتلوا الذين يلونهم من الكفار، حتى أناطوا لثام الجاهلية عن الناس، غير أنهم لم يصدوا أحدا عن دينه، و لا امتحنوا الناس في عقائدهم، بل عرضوا دين الله باللسان و الفعال، فمن شاء فليؤمن و من شاء فلله أمره.
فكان مبدؤهم ذاك؛ سرا في بقاء الإسلام في تلك الديار، و انتشاره الواسع بين أهلها و من جاورهم.
و قد"تمتع المسيحيون في العالم الإسلامي بتسامح ديني، ما كان حاكم مسيحي ليحلم بمنحه للمسلمين في أي بلد مسيحي."
من ذلك- على سبيل المثال- أن المسلمين كان لهم في أزمير 15 مسجدًا، و للمسيحيين 7 كنائس، و لليهود 7 معابد.
و كانت السلطات في تركيا و البلقان تتولى حماية الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية ضد أي تحرش أو إزعاج أثناء العبادة و الصلوات.
و ذهب صموئيل بيبس في يومياته إلى أن معظم المجر استسلم للأتراك لأن البلاد نعمت في ظل الحكم العثماني بحرية دينية أكبر مما نعمت به في ظل الأباطرة الكاثوليك.
و هذا حق كل الحق من جانب المسيحيين المهرطقين، فقد ذكر سير توماس أرنولد أن الكلفنيين في المجر و ترنسلفانيا، و الموحدين في هذا البلد الأخير آثروا الخضوع للأتراك على الوقوع تحت نيران آل هبسبرج المتعصبين، و أن البروتستانت في سيليزيا تطلعوا إلى الأتراك،
و ربما ارتضوا عن طيب خاطر أن يشتروا حريتهم الدينية مقابل الخضوع للحكم الإسلامي.
و إن كثيرًا من اليونان ذوي المواهب العظيمة و الخلق الرفيع كانوا أكثر إدراكًا لتفوق المسلمين، حتى أنهم حين نجوا من سوقهم إلى خدمة السلطان في نطاق"ضريبة الأطفال"، اعتنقوا الإسلام طواعية و اختيارًا.
و لابد من التسليم بأن السمو الخلقي في المجتمع العثماني كان له دخل كبير في هذا التحول إلى الإسلام، قدر ما كان الطموح الشخصي لدى الأفراد" [1] ."
و قد يُشكل على البعض الجمع بين الإذن بالجهاد و الغزو و عدم الإكراه على الدين،
(1) قصة الحضارة: ويليام جيمس ديورَانت؛ تر: زكي نجيب محمُود وآخرين. دار الجيل: بيروت. ط ، 1988. ج 13، ص 470.