مما أذاع رهبان الكنيسة"لوثة"؛ تلقفها المستشرقون و أذنابهم من جماعة"هم": أن الإسلام لولا العنف الذي استعان به أهله ما وصل ما بين المشرقين، و إذ ذاك فمن تبع فمكره لا مذعن.
و هي شبهة قديمة مكرورة مذ ظهر الإسلام على الأديان، و غلبت أمته على الأمم، و مذ بدأ الجدل بين الملل حينما تقاربت الأرض بينهم و جمعتهم القرى، و إن"كثيرا من أهل الكتاب يزعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم و أمته إنما أقام دينهم بالسيف لا بالهدى و العلم و الآيات" [1] .
و هاته الشبهة مركبة من أخر أخواتها حول القتال و الجهاد و الجزية و حد الردة و الحدود، فالمتحاملين و المكايدين للمسلمين، قد جاوزوا الحد في صنيعهم، فركبوا متون الشطط، و غالوا في المماكرة و الافتراء و اللغط، فما وقعوا على نص تحريض على الجهاد، أو أمر بالقتال، أو جُرم من بعض الطوائف الإسلامية، إلا و علا منهم النكير، و صاحوا بالمسلمين: أن ذا الدين دين سيف و إرهاب.
لا جرم أن ذا فري عُجاب، و تمحل فاضح، و تزييف واضح، و هذه النزعات المحمومة لاختلاق الأغاليط إفك مبين، و فاقرة كؤود، أكبر ما يثير الاشمئزاز منها أن قالها سفاح مجرم، و صحائف كتابه حمراء بدماء الأبرياء.
و إن كان في بعض الطوائف و العامة من المسلمين- ممن تأخذه حمية القتال- يرون ذا الفهم في شرعة الجهاد، بأن لا دعوة و لا جدال بل القتال، و القتل لكل من كفر بالإسلام، و ذا لما اختلط عليهم من آيات السيف و آيات محاورتهم و دعوتهم بالتي هي أحسن، فزعموا نسخ المجادلة بالمجالدة.
و هو ما يدعم زعم أهل الكتاب،"فإذا طلبوا العلم و المناظرة؛ فقيل لهم ليس لكم جواب إلا السيف."
كان هذا مما يقرر ظنهم الكاذب، و كان هذا من أعظم ما يحتجون به عند أنفسهم على فساد الإسلام، و أنه ليس دين رسول من عند الله، و إنما هو دين ملك أقامه بالسيف" [2] ."
و معالجة هذه الشبهة ليس بغرض رد مقالة أولئك، بل تصحيح ردود بعض المفكرين
(1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس؛ تح: علي حسن ناصر، عبد العزيز إبراهيم العسكر، حمدان محمد. دار العاصمة: الرياض. ط (1) ، 1414. ج 1، ص 63.
(2) المرجع نفسه: ج 1، ص 63.