لتنصير المسلمين بإشراف السلطات الكنسية، و بأشد وسائل العنف، و في تموز (يولية) 1501 أصدر الملكان الكاثوليكيان أمرًا خلاصته"إنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة، فإنه يحظر وجود المسلمين فيها، و يعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال" [1] .
فهُجرت جموع المسلمين و من بقي أخفى إسلامه و أظهر تنصره، فبدأت محاكم التفتيش نشاطها بامتحان الناس و التجسس على دينهم، و حال التبليغ عن مسلم يزج في سجون مظلمة عميقة رهيبة، تغص بالحشرات و الجرذان، يقيد فيها المتهمون بالأغلال، و تتم مصادر أموالهم، و من أنواع التعذيب ملأ البطن بالماء حتى الاختناق، و ربط يدي المتهم و راء ظهره ثم تعليقه بحبل فوق راحته و بطنه و رفعه و خفضه، مع أثقال تربط معه، و التعذيب بالأسياخ المحمية، و سحق العظام بآلات ضاغطة، و تمزيق الأرجل، و فسخ الفك.
و قرار المحكمة بعد الاعتراف إما سجن مؤبد، أو مصادرة أموال و تهجير، أو إعدام بالحرق،
و هو الحكم الغالب عند الأحبار الذين يشهدون مع الملكين الكاثوليكيين حفلات الإحراق.
"لقد قام النصارى بإجبار المسلمين على الدخول في دينهم، و صارت الأندلس كلها نصرانية، و لم يبق فيها من يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله."
إلا من يقولها في قلبه، و في خفية من الناس، و جعلت النواقيس في صوامعها بعد الأذان،
و في مساجدها الصور و الصلبان، بعد ذكر الله و تلاوة القرآن، فكم فيها من عين باكية
و قلب حزين، و كم فيها من الضعفاء و المعذورين، لم يقدروا على الهجرة و اللحاق بإخوانهم المسلمين، قلوبهم تشتعل نارا، و دموعهم تسيل سيلا غزيرا، و ينظرون إلى أولادهم
و بناتهم يعبدون الصلبان، و يسجدون للأوثان، و يأكلون الخنزير و الميتات، و يشربون الخمر التي هي أم الخبائث و المنكرات، فلا يقدرون على منعهم و لا على نهيهم، و من فعل ذلك عوقب بأشد العقاب.
فيالها من فجيعة ما أمّرها! و مصيبة ما أعظمها وطامة ما أكبرها" [2] ."
"لقد كانت محاكم التفتيش و التحقيق مضرب المثل في الظلم و القهر والتعذيب."
(1) إعلام أهل العلم و الدين بأحوال دولة الموحدين: علي محمد الصلابي. دار التوزيع. ط (1) ، 2003. ص: 261.
(2) نهاية الاندلس و تاريخ العرب المتنصرين: محمد عبد الله عنان. مطبعة القاهرة القاهرة. ط ، 1958. ص 321