كانت تلك المحاكم و الدواوين تلاحق المسلمين حتى تظفر بهم بأساليب بشعة تقشعر لها القلوب و الأبدان.
فإذا عُلم أن رجلًا اغتسل يوم الجمعة يصدر في حقه حكمًا بالموت، و إذا وجدوا رجلًا لابسًا للزينة يوم العيد عرفوا أنه مسلم فيصدر في حقه الإعدام.
لقد تابع النصارى الصليبيون المسلمين، حتى إنهم كانوا يكشفون عورة من يشكّون أنه مسلم فإذا وجدوه مختونًا أو كان أحد عائلته كذلك فليعلم أنه الموت و نهايته هو و أسرته.
و كان دستور محاكم التفتيش في ديوان التحقيق يجيز محاكمة الموتى و الغائبين، و تصدر الأحكام في حقهم، و توقع العقوبات عليهم كالأحياء.
فتصادر أموالهم و تعمل لهم تماثيل تنفذ فيها عقوبة الحرق، أو تنبش قبورهم و تستخرج رفاتهم لتحرق في موكب"الأوتودافي"و كذلك يتعدى أثر الأحكام بالإدانة من المحكوم عليه إلى أسرته و ولده فيقضي بحرمانهم من تولي الوظائف العامة و امتهان بعض المهن الخاصة" [1] ."
و"لم تنته مصيبة المسلمين في الأندلس بزوال سلطانهم السياسي و رحيل سلطانهم إلى المغرب، بل حلت بهم مصيبة أكبر، حيث نقض الملكان الكاثوليكيان العهد. و وضعا خطة إبادة للمسلمين الباقين في الأندلس لعقيدتهم الدينية، فشكلا محاكم التفتيش التي تتعقب من يؤدي شعائر الإسلام بأية صورة، فكان من جراء ذلك أن أظهر عدد من المسلمين المسيحية"
و أبطنوا الإسلام، و أطلق على هؤلاء اسم (المورسكيون (Los Moriscos أي المسلمون الصغار.
و بقي المسلمون هؤلاء يقاومون الاضطهاد ما يزيد على القرن من الزمان دفاعًا عن عقيدتهم
و كيانهم" [2] ."
و اسبانيا اليوم هي الدولة الأروبية (في الاتحاد) التي تحوي أقل عدد من المسلمين، بل مسلمو نيويورك أكثر من مسلمين اسبانيا مجتمعين.
(1) سقوط الاندلس: ناصر بن سليمان العمر. دار الوطن: الرياض. ط (1) ، 1412 هـ. ص 72.
(2) تاريخ العرب و حضارتهم في الأندلس: خليل إبراهيم السامرائي، عبد الواحد ذنون طه، ناطق صالح مصلوب.
دار الكتاب الجديد المتحدة: بيروت. ط (1) ، 2000.ص 304.