دين الإسلام انتشر بالدعوة بالتي هي أحسن، لأن الدين ظاهر و باطن، فلو أسلم الظاهر بالسيف؛ هل يتبعه الباطن؟
نَدُر ذاك، بل تَحول المستجيب من كافر إلى منافق، و نزل من درك الكفر إلى أسفل سافلين، و تحول من عدو ظاهر إلى خطر باطن، و لو رمنا جدلا أن كل الشعوب على ذلك؛ فلما لم تنقلب على عقبيها؛ و ترجع لدين آبائها لما وهن سلطان الخلافة؟
فدين المسلمين دين قلوب، و نصوصه متكاثرة على تحريم الرياء و الشرك و النفاق، و أجمع العلماء على تحريم الإكراه في الدين لأن مفاسده أعظم من منافعه، و يذكر ابن كثير في تفسير قوله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة:256) :"أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح، جلي دلائله و براهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام و شرح صدره و نور بصيرته دخل فيه على بينة، و من أعمى الله قلبه و ختم على سمعه و بصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مُكرهًا مقسورًا."
و قد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، و إن كان حكمها عامًّا" [1] ."
و ذكر القرطبي في معنى الآية الكريمة ستة أقوال يرجح فيها ما رواه أبو داود عن ابن عباس في أنها نزلت في الأنصار:"كانت تكون المرأة مقلاتًا [2] ، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار، قالوا: لا ندع أبناءنا."
فأنزل الله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) " [3] ."
(1) تفسير القرآن الكريم: ابن كثير. دار المعرفة: بيروت. ج 1،ص (310 - 311) .
(2) و المقلات التي لا يعيش لها ولد.
(3) الجامع لأحكام القرآن الكريم: أبي عبد الله القرطبي. دار الكاتب العربي: القاهرة. ط ، 1967.ج 3،ص (280 - 281) .
و هذا قول سعيد بن جبير و الشعبي و مجاهد. و دليل ترجيح القرطبي لقول ابن عباس - رضي الله عنهما - إيراده لقول النحاس:"قول ابن عباس في هذه الآية أولى الأقوال لصحة إسناده، و أن مثله لا يؤخذ بالرأي"، و ذهب إلى هذا ـ أيضا ـ ابن جرير و كذلك الزمخشري في تفسيره و الرازي.