و من نفوا القتال ابتداء إنما استشكالهم قائم على نفي الظلم و العدوان و الإكراه، فأما الظلم فالمسلمين إنما غاية فتوحاتهم إزالته، أما العدوان فالمراد به عند أهل التفسير التعدي في القتال لا نفي أصل القتال، أي أن يقاتَل من يقاتِل، و غيرهم لا، و الأسرى يرأف بهم، و غير ذلك من أحكام القتال المقرر عند الفقهاء، و ما يرتضيه الحاكم و القائد وفقا للسياسة الشرعية الظرفية
أو العامة.
أما"بالنسبة لآية (لا إكراه في الدين) (البقرة:256) ، فهي لا تتنافى مع القتال لأجل اخضاع الكفار لحكم الإسلام مع احتفاظهم بدينهم القديم إذا أحبوا."
فالمنفي في الآية هو الإكراه على الدخول في الإسلام، و ليس الإكراه على الخضوع للنظام الإسلامي الذي ورد في آية الجزية (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) إلى قوله (حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون) (التوبة: 29) " [1] ."
فالمسلمون سواء أعلنوا الحرب ابتداء أو دفاعا أو ردا هم لها سيفا و أخلاقا، و السيف على السيف لا على قلب أحد، و ديدنهم في الحروب حكم دينهم فيمن يحاربون، يلتزمونه قدر المستطاع.
و لو أن الجهاد كان لرد العدوان فقط، فهل"ترى لو كان أبو بكر و عمر و عثمان رضي الله عنهم قد أمِنوا عدوان الروم و الفرس على الجزيرة، أكانوا يقعدون إذن عن دفع المد الإسلامي إلى أطراف الأرض؟"
و كيف كانوا يدفعون هذا المد، و أمام الدعوة تلك العقبات المادية من: أنظمة الدول السياسية، و أنظمة المجتمع العنصرية؟
إنها سذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير"الإنسان"، نوع الإنسان .. في"الأرض".. ملء الأرض .. ثم تقف أمام العقبات تجاهدها باللسان و البيان! ..
إنها تجاهد باللسان و البيان حينما يخلى بينها و بين الأفراد، تخاطبهم بحرية، و هم مطلقو السراح من جميع تلك المؤثرات .. فهنا (لا إكراه في الدين) .
أما حين توجد تلك العقبات و المؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولًا بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان و عقله، و هو طليق من الأغلال" [2] ."
(1) الجهاد و القتال في السياسة الشرعية: محمد خير هيكل. دار ابن حزم: بيروت. ط ، دت. ص 766.
(2) في ظلال القرءان: سيد قطب. ج 3، ص (1440 - 1444) .