الصفحة 10 من 57

و نقضوا عهده و بدأوه بالقتال قاتلهم، فمنّ على بعضهم، و أجلى بعضهم، و قتل بعضهم.

و كذلك لما هادن قريشا عشر سنين لم يبدأهم بقتال حتى بدأوا هم بقتاله و نقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم، و كانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم أحد و يوم الخندق، و يوم بدر أيضا هم جاؤوا لقتاله و لو انصرفوا عنه لم يقاتلهم [1] "."

فالجهاد الأول كان باللسان، ثم فرضَ عليهم القِتَالَ بعدَ ذلك لمن قاتلهم دون مَن لم يُقاتِلْهم فقال: (وَ قَاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) (البقرة: 190) .

ثم فرض عليهم قتالَ المشركِينَ كافَّة، و كان محرَّمًا، ثم مأذونًا به، ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين إما فرضَ عَيْنٍ على أحد القولين، أو فرضَ كِفاية على المشهور.

كان مبدأ الرسالة الدعوة بالحكمة و الموعظة الحسنة و الجدال بالتي هي أحسن، و ذا هو الأصل المقدم في دعوات الرسل، و هو الأولى عند أتباعهم كلهم.

و بعض أهل التفسير يرى نسخ آيات المجادلة بآية السيف، لاعتقاده أن القتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة.

"و هذا غلط فإن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضا للحكم المنسوخ .."

فأما قوله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125) فهذا لا يناقض الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم.

و مما يبين ذلك وجوه:

-أحدها: أن من كان من أهل الذمة و العهد و المستأمن منهم لا يجاهد بالقتال، فهو داخل فيمن أمر الله بدعوته و مجادلته بالتي هي أحسن، و ليس هو داخلا فيمن أمر الله بقتاله.

-الثاني: أنه قال (وَ لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَ قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلَهُنَا وَ إِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46) فالظالم لم يؤمر بجداله بالتي هي أحسن، فمن كان ظالما مستحقا للقتال غير طالب للعلم و الدين،

(1) هداية الحيارى في أجوبة اليهود و النصارى: محمد بن أبي بكر أبو عبد الله. الجامعة الإسلامية: المدينة المنورة. دون معلومات نشر. ص 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت