فهو من هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن، بخلاف من طلب العلم و الدين، و لم يظهر منه ظلم سواء كان قصده الاسترشاد أو كان يظن أنه على حق يقصد نصر ما يظنه حقا.
و من كان قصده العناد يعلم أنه على باطل و يجادل عليه، فهذا لم يؤمر بمجادلته بالتي هي أحسن لكن قد نجادله بطرق أخرى نبين فيها عناده و ظلمه و جهله جزاء له بموجب عمله.
-الثالث: أنه سبحانه قال (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة:(6 فهذا مستجير مستأمن و هو من أهل الحرب، أمر الله بإجارته حتى تقوم حجة الله عليه ثم يبلغه مأمنه،
و هذا في سورة براءة التي فيها نقض العهود، و فيها آية السيف، و ذكر هذه الآية في ضمن الأمر بنقض العهود ليبين سبحانه أن مثل هذا يجب أمانه حتى تقوم عليه الحجة، و لا تجوز محاربته كمحاربة من لم يطلب أن يبلغ حجة الله عليه" [1] ."
و مجاهدة الكفار باللسان مشروع من أول الأمر إلى آخره، فاللسان أولى من اليد و مقدم،
و المعلوم أن الجهاد شرع للضرورة، و لو آمن الناس بالبرهان و الآيات لما احتيج إلى جهاد،
و لو خضعوا لسلطان المسلمين لما احتيج ذلك.
و الله وعد بإظهار دينه على الدين كله؛ ظهور علم و بيان، و ظهور سيف و سنان، فقال تعالى) هو الَّذِي أرسل رَسُولَهُ بِالْهُدَى و دِين الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ و لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (( الصف:9) .
-ظهور الهدي بالعلم و البيان.
-و ظهور الدين باليد و العمل.
و وجوب الدعوة بالعلم و البيان قبل وجوب اليد، و منفعته قبل منفعته، و معلوم أنه يحتاج كل وقت إلى سلطان السيف، و إظهار الإسلام بالعلم و البيان من جنس إظهاره بالسيف.
و كثير من الكفار لم يقهر بالسيف، و كثير من الناس لم يظهر لهم آياته و براهينه، بل قد يقدحون فيه و يقيمون الحجج على بطلانه، لا سيما و المقهورون بالسيف فيهم منافقون كثيرون، فهؤلاء جهادهم بالعلم و البيان دون السيف و السنان.
(1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ابن تيمية. ج 1، ص 218.