فهؤلاء أهل اليمن كان أكثرهم على دين اليهودية، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ قال:"إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله،"
و أن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك و كرائم أموالهم و اتق
دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه و بين الله حجاب" [1] ."
ثم دخلوا في الاسلام من غير رغبة و لا رهبة.
و كثير من يهود المدينة أسلم- و ذكروا في كتب السير و التراجم- لا رغبة في دنيا و لا رهبة من السيف، بل أسلم و النبي و من معه من صحبه في فاقة و حاجة، و قد كثر المتربصون بهم، و تحملوا معاداة أقربائهم و حرمانهم نفعهم بالمال و البدن، مع ضعف شوكة المسلمين
و قلة ذات أيديهم، فكان الكتابي يخرج من الدنيا رغبة في الاسلام لا لرياسة و لا مال، بل ينخلع من الرياسة و المال و يتحمل أذى الكفار و لا يصرفه ذلك عن دينه.
و أعداد"كبيرة من اليهود، و خصوصًا في العراق، اعتنقت الإسلام .. و قد حكم علاقة الإسلام باليهود مفهوم أهل الذمة، الذي لا يُحرِّم الدعوة إلى الإسلام بينهم، و إن كان يحرم فرض الإسلام عليهم عنوة."
و تجب ملاحظة أن انتقال اليهودي من اليهودية إلى الإسلام لم يكن يشكل صعوبة بالغة في الماضي، لأن العنصر التوحيدي في اليهودية كان لا يزال قويًا، و لذلك فإن الرموز الإسلامية لم تكن غريبة عليه، على عكس الرموز المسيحية (الصليب و التثليث) ، و خصوصًا أن لحم الخنزير، رمز الدنس عند اليهود، مُحرَّم في الإسلام.
و لا يساوي الشرع اليهودي بين اليهودي الذي يعتنق الإسلام؛ و اليهودي الذي يعتنق المسيحية، إذ يضع الأول في منزلة أعلى باعتبار أنه لم يشرك، أما المسيحية فقد وصفها بأنها شكل من أشكال الشرك.
(1) صحيح البخاري: أبو عبد الله اسماعيل البخاري. كتاب الزكاة: باب أخذ الصدقة من الأغنياء و ترد في الفقراء حيث كانوا. رقم: 1436.