وفيما يلي بعض النصوص التي تدحض هذه الدعوى وتبين بطلانها وتلبيس من يعتقدها ويدعو إليها.
يقول الله عز وجل في معرض ذكره للوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم، كما أوحى إلى الأنبياء قبله: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ... } إلى قوله: {ورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلًا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليمًا} [النساء 163ـ164] .
فهذه الآية الكريمة نص صريح، في أن الله عز وجل كلّم موسى عليه السلام.
ومن أصدق من الله حديثًا، فقد أخبر عن نفسه أنه كلّم موسى عليه السلام تكليمًا، فتكليمًا تأكيد لقوله، كلّم، لايحتمل التأويل بأيّ وجه.
ولكن ننظر كيف يسلك أصحاب هذه الأفكار المنحرفة تلك المسالك المختلفة لتحريف كلام الله حين يجدونه صريحًا في الرد على مذاهبهم الباطلة.
فقد قال أحد المعتزلة، لأبي عمرو بن العلاء شيخ العربية وأحد القراء السبعة: (( أريد أن تقرأ(وكلّمَ اللهَ موسى) بنصب لفظ الجلالة الله ليكون موسى هو المتكلم لا الله، فقال له أبو عمرو: هبْ أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى:
{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لميقاتنا وكَلَّمَه ربُّه} [الأعراف 143] فبهت المعتزلي» [1] .
وهكذا كانت أفكار الذين يريدون الطعن في كتاب الله العزيز، فقد ظن هذا المعتزلي، إن قرأ له أبو عمرو بن العلاء هذه القراءة أن يجد له مدخلًا ينفي به صفة الكلام عن الله - عز وجل -، بحجة أن هذه قراءة لأحد القراء السبعة المشهورين.
ولكن خاب ظنه حينما أورد له الآية الأخرى التي لا تحتمل التأويل في أن المتكلم هو الله - عز وجل -، وهي قوله (وكلّمَه رَبُّهُ) .
(1) انظر شرح الطحاوية (1/ 177) وترجمة عمرو بن العلاء وهو من الثقات، سير أعلام النبلاء (6/ 407) .