فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 50

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) [1] حقًا إن الله بالناس لرؤف رحيم، فتشريعه كله رحمة: لا يكلف نفسًا فوق طاقتها، رحمته سبقت غضبه، وعفوه سبق عقوبته، يملى للظالم فإن عاد قبله، وإن أصر أخذه، يفرح بتوبة التائب، ويقربه إليه، ويحاسب أولياءه بالفضل، وأعداءه بالعدل، كلتا يديه يمين، وفي هذا الحدث العظيم: تحويل القبلة تتجلى رحمة الله تعالى فيما يأتي:

1 -أنه أتم علينا النعمة:

تنازع السلف في معنى تمام النعمة في قوله تعالى: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} َ [2] ومن هذه الأقوال ما يأتي:

فقيل: تمام النعمة دخول الجنة، وقيل الموت على الإسلام: وقيل الهداية إلى القبلة، وقيل إتمام النعمة في الآخرة إرسال الرسول منكم [3] .

2 -جعلنا أمة وسطًا:

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [4] .

قال القرطبي:"والمعنى كما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا ً، أي جعلناكم دون الأنبياء، وفوق الأمم، والوسط العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا كُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [5] والوسط العدل) [6] ولما كان الوسط مجانبًا للغلو، والتقصير كان محمودًا أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم [7] ."

3 -شهداء على الناس:

ومن الخصائص، والمنح الربانية للأمة المحمدية أنهم - مع أنهم آخر الأمم- شهداء على الناس، قال تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا كمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [8] وفي الصحيح من حديث أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُدْعَى نُوحٌ فَيُقَالُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ فَيُقَالُ مَنْ شُهُودُكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ قَالَ فَيُؤْتَى بِكُمْ تَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ) [9] .

وفي رواية (يَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلُّ فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ لَا فَيُقَالُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَتُدْعَى أُمَّةُ مُحَمَّدٍ فَيُقَالُ هَلْ بَلَّغَ هَذَا

(1) رواه البخاري في الأدب، باب رحمةِ الولدِ وتقبيلهِ ومعانقتِه برقم 5862، ومسلم في التوبة، باب في سعة رحمة اللّهِ تعالى وأنها سبقت غضبه برقم 6927.

(2) (البقرة/150) .

(3) انظر: تفسير البيضاوى 1/ 168، وتفسير القرآن العظيم 1/ 196.

(4) (البقرة/143) .

(5) (البقرة/143) .

(6) رواه البخاري في تفسير القرآن، باب وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا برقم 4373.

(7) الجامع لأحكام القرآن 2/ 156 بتصرف يسير.

(8) (البقرة/143) .

(9) رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب إنا أرسلنا نُوحًا إِلى قومهِ برقم 3269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت