الأصنام، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، ثم ذكر الموعظة وهي مشتملة على تغبيط الحاضرين بما يسره الله على أيديهم من فتح بيت المقدس الذي من شأنه كذا وكذا، فذكر فضائله ومآثره وأنه أول القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين [1] ، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، وإليه أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام، وصلى فيه بالأنبياء والرسل الكرام، ومنه كان المعراج إلى السماوات، ثم عاد إليه، ثم سار منه إلى المسجد الحرام على البراق، وهو أرض المحشر، والمنشر يوم التلاق، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، وقد أسس على التقوى من أول يوم قلت ويقال إن أول من أسسه يعقوب عليه السلام بعد أن بنى الخليل المسجد الحرام بأربعين سنة كما جاء في الصحيحين، ثم جدد بناءه سليمان بن داود عليهما السلام كما ثبت فيه الحديث. [2] .
ومن أعظم ما ينفرد به المسجد الأقصى عن غيره من المساجد: اجتماع الأنبياء فيه ليلة الإسراء والمعراج، حيث كانوا في شرف استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم، وصلوا جميعا في رحاب المسجد الأقصى، وكان إمامهم في هذه الصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل أن الأنبياء اجتمعوا في مكان واحد في غير المسجد الأقصى، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه ِ صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ قَالَ فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ يَعْنِي نَفْسَهُ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ) [3] .
ومن فضائله- فك الله أسره - أنه كان القبلة الأولى للمسلمين لمدة زادت عن العام والنصف.
كان المسجد الأقصى مركزًا لنهاية رحلة الإسراء، وبداية لرحلة المعراج، حيث السماوات العلا، قال تعالى: ? سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ? [4] .
ومما يتميز به المسجد الأقصى أن الله تعالى بارك فيه، وحوله، وجعله في أرض مباركة، وقد وصف المسجد الأقصى بالبركة في أكثر من موضع من القرآن
(1) لقد اختص الله - عز وجل - مكة والمدينة بهذه الصفة - التي هي الحرمة - دون سائر البلاد، ولم يأت دليل ثابت يدل على تحريم شئ غير مكة والمدينة، وما شاع على ألسنة كثير من الناس من أن المسجد الأقصى ثالث الحرمين هو من الخطأ الشائع؛ لأنه ليس هناك للحرمين ثالث، ولكن التعبير الصحيح أن يقال: ثالث المسجدين، أي المشرفين المعظمين، انظر: عبد المحسن بن حمد العباد البدر، فضل المدينة وآداب سكناها وزيارتها، ص 7، المدينة المنورة، دار المغني للنشر والتوزيع، سنة 1423 هـ، ط الثالثة.
(2) البداية والنهاية،12/ 325.
(3) رواه مسلم في الإيمان برقم 251.
(4) (الإسراء/1) .