فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 50

-وحين سمع فريق من أهل الكتاب القرآن: ? قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ? [1] .

فالإسلام شعار عام كان يدور على ألسنة الأنبياء، وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية [2] .

ولقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا لاتفاق الرسل في الدين الواحد، واختلافهم في الشرائع فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) [3] .

ومما هو معلوم أن بيت المقدس كان قبلة الأنبياء، والرسل جميعًا [4] ، فكان هذا التوجه من الرسول صلى الله عليه وسلم للفت الأنظار إلى التوحد في الغاية، والهدف الذي من أجله أرسلهم الله تعالى، ويصور النبي صلى الله عليه وسلم رحلة التسلسل في الرسالات ببناء جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليكمله، ويجمله فيقول: (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) [5] .

ومن الحكم الجليلة في التوجه إلى بيت المقدس في أول الأمر ما يمكن أن نطلق عليه: التدرج في التشريع، وهذا أمر مطلوب لنجاح الدعوة، والتي كانت بحاجة إلى أتباع يعملون على نشر تعاليمها، لاسيما في تلك الفترة، وكثيرًا ما سلك الإسلام منهج التدرج، وذلك في كثير من الأحكام، ولعل تحريم الخمر أظهر هذه الأحكام، فإنه من المعلوم أن الخمر حرمت على ثلاث مراحل، وذلك لأن القوم ألفوها، وأدمنوها، وكانت مصدرًا من مصادر دخلهم، فكان لابد للعلاج من هذا التدرج الحكيم في تحريمها.

ولو كان هذا التوجه إلى غير المسجد الأقصى لأدى ذلك إلى نفور المشركين من الدعوة، لأن المشركين، كانوا دائمًا ينظرون إلى أهل الكتاب نظرة تقدير، وإعجاب، يكتمون هذا الإعجاب تارة، ويظهرونه تارة أخرى، وهذا ما دعاهم أن يسألوا اليهود هذا السؤال: ديننا أهدى أم دين محمد؟ الشرك أم التوحيد؟ النور أم الظلام؟ وهنا سقط اليهود سقطة كبيرة، سجلها عليهم القرآن عليهم عندما شهدوا زورًا، وكفرًا، وقالوا: أنتم أهدى، ودينكم أفضل من دين محمد!!!!.

قال ابن كثير:"لما قدم جماعة من الذين حزبوا الأحزاب على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتب الأول فاسألوهم أدينكم خير، أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه؛ فأنزل الله عز وجل ? أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا منَ الْكِتَاب ? [6] ، وهذا لعن لهم، وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا، ولا في الآخرة لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم، وجاءوا"

(1) (القصص/53) .

(2) د/ عمر سليمان الأشقر، الرسل والرسالات ص (243) ، مكتبة الفلاح، الكويت، ط. الرابعة، سنة (1991) .

(3) رواه البخاري في الأنبياء، باب قولِ اللهِ: (واذْكُر في الكتابِ مريمَ) برقم 3370، قال الحافظ ابن حجر: العلات بفتح المهملة: الضرائر، وأولاد العلات: الأخوة من الأب، وأمهاتهم شتى، ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع، وانظر: فتح الباري، 6/ 489.

(4) انظر: البداية والنهاية (1/ 308) .

(5) رواه البخاري في المناقب، باب خاتَمِ النَّبِيّين صلى الله عليه وسلم، برقم (3459) ، ومسلم في الفضائل، باب ذكر كونه خاتم النبيين، برقم (5912) .

(6) (النساء/44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت