معهم يوم الأحزاب حتى حفر النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه حول المدينة الخندق فكفي الله شرهم، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفي الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا" [1] "
فكان التوجه إلى بيت المقدس مهماَ في هذه المرحلة من تاريخ الدعوة، حتى إذا ما رسخ الإيمان في القلوب، وعلم الناس أنه الحق من ربهم، ورباهم الإسلام على سمعنا، وأطعنا، سهل عليهم الاستجابة لأمر تحويل القبلة إلى المسجد الحرام كما أراد الله تعالى.
ومن الحكم أيضًا تأليف قلوب اليهود- قبحهم الله تعالى- من سكان المدينة، فقد توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى ما يزيد على العام والنصف، وكان ذلك كفيلًا بأن يجعل اليهود يسارعون للدخول في الإسلام، وأن تهدأ نفوسهم الحاقدة على الإسلام، وأن يروا إن كانوا يبصرون أن الاتجاه إلى قبلتهم مبادرة طيبة من الإسلام ونبيه تدعوهم للدخول في هذا الدين - هذا الدين الذي جعل من الاتجاه إلى المسجد الأقصى شرطًا في صحة الصلاة، المنطق يقتضي من اليهود ذلك، لكنهم قوم بهت، قوم لا منطق عندهم، ولا فائدة فيهم، ولا منهم، بل على العكس تمامًا، لقد اتخذوا من الاتجاه إلى قبلة بيت المقدس ذريعة لإثارة الشبهات حول الإسلام، وادعاء أنهم على الحق فقالوا:"إن محمدًا اتجه إلى قبلتنا، وغدًا يدخل في ديننا"، واعتبروا أن الاتجاه إلى بيت المقدس نوعًا من اقتباس الهدى منهم، وساروا بين المسلمين بدعوتهم: ?كونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا? [2] فكان هذا الموقف منهم شديدًا على نفوس المسلمين، ورسولهم، وهم الذين ينسبون إلى البيت الحرام الذي بناه جدهم [3] إبراهيم ?، فتعلقت قلوبهم أن يتحولوا من هذه القبلة إلى أن استجاب الله تعالى لهم، ورد على مكر اليهود وكفرهم بما يثلج صدور الموحدين، فقال تعالى ? وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون َ? [4] .
قال ابن كثير:"عن ابن عباس قال كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو، وينظر إلى السماء فأنزل الله قد نرى تقلب وجهك في السماء إلى قوله فولوا وجوهكم شطره [5] ."
يرى الشيخ الشعراوي - رحمه الله - أن من أسباب اتجاه المسلمين إلى قبلة بيت المقدس أن الكعبة في ذلك الوقت لم تكن قد خلصت لله تعالى، فقد اتخذها الكفار مقرا لأصنامهم، وكانوا يطلقون عليها بيت العرب، فلو أنهم توجهوا إلى الكعبة لكان مثلهم كمثل العرب في اتجاههم للأصنام، فكان الله سبحانه وتعالى أن يستقر في الأذهان أولاَ أن هذا هو بيت الله، وليس بيت العرب استقراراَ عقائدياَ، كما أنه لم يكن للمسلمين ولاية على البيت، بدليل أن المسلمين حينما تمكنوا من الكعبة
(1) انظر: تفسير القرآن العظيم (1/ 513) ، والإتقان (1/ 92) ، والجامع لأحكام القرآن (20/ 223) .
(2) (البقرة/135) .
(3) شيخي الدكتور/ عبد الرحمن العدوى، معركة تحويل القبلة بتصرف يسير، منبر الإسلام عدد شعبان، (1420) هـ، ص (70) .
(4) (البقرة/144) .
(5) تفسير القرآن العظيم (1/ 158) .