فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 50

في الجاهلية، والإسلام من الصراعات، والمشاجرات، وسفك الدماء، وجاء الإسلام ليؤكد هذه الحرمة، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لاَ يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ السِّلاَحَ بِمَكَّةَ) [1] ويا سبحان الله في الوقت الذي كانت القبائل خارج مكة، ومن حولها تتصارع، وتعيش على سفك الدماء، ونهب الأموال، وانتهاك الأعراض، كان أهل مكة ينعمون بظلال الأمن، والله سبحانه وتعالى ذكر أهل مكة بهذه النعمة، والتي تستوجب الشكر، فقال: ? أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُون? [2] .

ومن فضائله أن الله تعالى جعل كل البلاد تصب خيراتها فيه، ولقد دعا نبي إبراهيم - عليه السلام - ربه أن يرزق سكان هذا البيت من الثمرات ما يغنيهم عن غيرهم تكريمًا لهذا البيت، فقال: ? رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون? [3] ، وقال تعالى: ? وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ? [4] فاستجاب الله تعالى دعاء نبيه إبراهيم - عليه السلام -، فبينما كان الناس يعيشون حياة القحط، ويتقاتلون على لقمة العيش، كان أهل الحرم أسعد حالًا من غيرهم، ذكر ذلك رب العزة في معرض الامتنان على أهل مكة فقال: ? أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون ? [5] وإزاء هذه النعم والمنح الربانية، طلب الله تعالى من أهل مكة أن يشكروا هذه النعم، وأن يخلصوا العبادة له سبحانه وتعالى: فقال: ?لِإِيلَافِ قرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحَْةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ? [6] .

قال تعالى: ? جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاس ? [7] قال ابن كثير:"أي يدفع عنهم بسبب تعظيمها السوء"قال ابن عباس:"لولم يحج الناس إلى هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض" [8] .

عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) [9] ، وهذا من فضل الله تعالى على عباده، لكن هذا في غير البيت الحرم، فللبيت الحرام قوانينه الخاصة

(1) رواه مسلم في كتاب الحج، باب النهي عن حمل السلاح بمكة، بلا حاجة، برقم 3261.

(2) (العنكبوت/67) .

(3) (إبراهيم/37) .

(4) (البقرة/126) .

(5) (القصص:57) .

(6) (قريش) .

(7) (المائدة:97) .

(8) تفسير القرآن العظيم 1/ 169.

(9) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب من همَّ بحسنةٍ أو بسَيِّئة برقم 6344، ومسلم في الإيمان، باب إِذا همّ العبد بحسنة كتبت وإذا همّ بسيئة لم تكتب، برقم 296.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت