فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 50

، فمكة كما قيل عنها: بلد المغنم، والمغرم.

بلد المغنم: الحسنات فيه تتضاعف كما تقدم.

وبلد المغرم: من هم فيه بسيئة، ولم يعملها كتبت عليه سيئة، وذلك لحرمة المكان، قال تعالى: ? وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم ? [1] .

فالحسنات في الحرم تضاعف كمًا وكيفاَ لقوله تعالى: ?مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ? [2] ، فمن عمل حسنة ضاعفها الله لصاحبها إلى أضعاف كثيرة، وفضل الله واسع، وعطاؤه لا راد له، وهو ذو الفضل العظيم.

أما السيئة فالقول الراجح فيها: أنها تضاعف بالكيف لا بالكم، فالسيئة عظيمة في البلد الحرام، لقوله تعالى ? وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم ? [3] . فالله عز وجل لم يذكر مضاعفة السيئة، بل بين سبحانه أنه يذقه من عذاب أليم، وهذا قول شيخ الإسلام بن تيميه وتلميذه بن القيم رحمهما الله.

وعلى ذلك فتكون مضاعفة السيئة في مكة والمدينة مضاعفة كيفية، قال تعالى: ? وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم ? [4] .

وبقول بن سعدي في تفسيره"فمجرد الإرادة للظلم والإلحاد في الحرم موجب للعذاب ... وفي هذه الآية الكريمة وجوب احترام الحرم، وشدة تعظيمه، والتحذير من إرادة المعاصي فيه، وفعلها" [5] .

وأكثر العلماء على أن من هم بالسيئة في حرم مكة، وإن لم يعملها فإنه معاقب على ذلك بخلاف بقية البلاد، أما الهاجس والخاطر فلا يعاقب عليه لا في مكة ولا في غيرها.

وقال ابن قاسم:"فالحسنات بالكمية بالإجماع والسيئات بالكيفية وقوله تعالى: ? فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا ? [6] أي واحدة، وإن كانت عظيمة" [7] .

قال مجاهد:"بظلم يعمل فيه عملًا سيئًا، وهذه خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر عازماَ عليه، وإن لم يوقعه [8] ."

وقال عبد الله بن مسعود:"لو أن رجلًا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعون أبين [9] ، لأذاقه الله من العذاب الأليم" [10] .

قال القرطبي:"والمعاصي تتضاعف بمكة كما تتضاعف الحسنات، فتكون المعصية معصيتين: أحداهما: بنفس المخالفة، والثانية: بإسقاط حرمة البيت الحرام" [11] .

قال ابن القيم:"فالسيئة في حَرَمِ الله وبلده، وعلى بساطه آكد، وأعظم منها"

(1) (الحج/25) .

(2) (الأنعام/160) .

(3) (الحج/25) .

(4) (الحج/25) .

(5) تيسير الكريم الرحمن 5/ 170

(6) (الأنعام/160) .

(7) حاشية الروض المربع 4/ 86، انظر: يحيى بن موسى الزهراني الحج أدلة وأحكام، موقع صيد الفوائد بتصرف

(8) تفسير القرآن العظيم 3/ 215.

(9) عون أبين: مكان في عدن، وعدن مدينة مشهورة واقعة بالقرب من مدخل البحر الأحمر.

(10) إسناده صحيح: رواه أحمد 1/ 428، وذكره القرطبي في التفسير 12/ 35، عن ابن مسعود وابن عمر قالا:"لوهم رجل بقتل رجل بهذا البيت، وهو بعون أبين لعذبه الله، وقال ابن كثير: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، تفسير القرآن العظيم 3/ 216."

(11) الجامع لأحكام القرآن 12/ 35

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت