في بنيانها من كسبكم إلا طيباَ، ولا تدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس" [1] ."
وفي لفظ أنه قال لهم:"لا تدخلوا في نفقة هذا البيت مهر بغي أي زانية، ولا بيع ربا، وفي لفظ لا تجعلوا في نفقة هذا البيت شيئا أصبتموه غصبا، ولا قطعتم فيه رحماَ، ولا انتهكتم فيه حرمة، أو ذمة بينكم، وبين أحد من الناس، وكان رسول صلى الله عليه وسلم ينقل معهم الحجارة، واجتمعت القبائل من قريش تجمع الحجارة كل قبيلة تجمع على حدة، وأعدوا لذلك نفقة أي طيبة ليس فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس" [2] .
ومن دلالة تعظيم العرب لهذا البيت - باعتبار أنه بيت الله تعالى أنهم ما كانوا يطوفون بالبيت بملابسهم التي ارتكبوا فيها المعاصي، وكانوا يطوفون بالبيت في معظم الأحيان عرايا الرجال، والنساء في ذلك سواء.
قال عبد الله بن عباس:"كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ فَتَقُولُ مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا وَتَقُول:"
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ? خُذُوا زِينَتكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ? [3] .
عندما هم إبرهة بهدم الكعبة، وجيش الجيوش، استنكر جميع العرب هذا، واستعظموه، وما مر ببلد عرفت بنواياه إلا قاومته، وحاربته مع ضعفها، وقلة حيلتها، وكانت ترى أن الموت أشرف لها، وأفضل من أن يهدم بيت الله تعالى.
قال ابن جرير:"لما سمعت العرب بذلك فأعظموه، وفظعوا به، ورأوا جهاده حقاَ عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن، وملوكهم يقال له (ذو نفر) فدعا قومه، ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب إبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه، وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعرض له فقاتله فهزم ذو نفر، وأصحابه، وأخذ له ذو نفر أسيرا حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيث الخثعمي في قبيلتي خثعم شهران، وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه إبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا [4] ."
وأعظم هذه البراهين، والأدلة الحوار الذي دار بين عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وإبرهة الحبشي الذي جاء لهدم الكعبة: قال ابن كثير:"ولما نزل إبرهة المغمس بعث رجلاَ من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش، وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش، وسيدها فهمت قريش، وكنانة، وهذيل، ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك، وبعث"
(1) الماوردى، أعلام النبوة، (1/ 278) ، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، وابن كثير، البداية والنهاية (2/ 301) ، والطبري، تاريخ الأمم والملوك (1/ 525) ، وابن إسحاق، سيرة ابن إسحاق (2/ 84) ، تحقيق محمد حميد الله.
(2) على برهان الدين الحلبي، السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون، (1/ 230) .
(3) (الأعراف /31) والحديث رواه مسلم في التفسير، باب في قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) برقم (7493) .
(4) تاريخ الطبري (1/ 440) ، بتصرف.