فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ وَمَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا بِذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَصَدَّقْنَاهُ قَالَ فَذَلِكُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [1] .
والأمة المحمدية عندما تدلى بشهادة يكون ذلك أصدق دليل على شرفها، ومكانتها، فإنه من المعلوم أنه لا تقبل إلا شهادة العدول، والله سبحانه وتعالى من كمال فضله، ورحمته بهذه الأمة يقبل شهادتهم فيمن مات منهم، وذلك إن شهدوا له أو عليه، عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه يَقُولُ: (مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) [2] .
4 -الرسول صلى الله عليه وسلم شهيد علينا:
قال تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا} [3] فقد أخبر الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم سوف يشهد على هذه الأمة يوم القيامة، ولكن بأي شيء يشهد؟، قال القرطبي: قيل يشهد بأعمالنا، وقيل يشهد لنا بالإيمان، وقيل يشهد عليكم بالتبليغ [4] .
5 -اختيار القبلة:
من المعلوم أن الأماكن، والاتجاهات في الحقيقة على حد سواء فلا يتفاضل مكان على آخر إلا بتفضيل الله له، فإذا اختار الله سبحانه وتعالى لنا نحن المسلمين جهة معينة، وأمرنا بالاتجاه إليها في أشرف أوقاتنا، وهى أوقات الصلاة، أدركنا أن الخير كل الخير ذلك، والله سبحانه وتعالى أرتضى لنا المسجد الحرام قبلة فقال: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [5] .
قال ابن القيم:"وأخبر أن الذي يهدى من يشاء إلى صراط"
مستقيم، هو الذي هداهم إلى هذه القبلة، وأنها هي القبلة التي تليق بهم، وهم أهلها، لأنها أوسط القبل، وأفضلها، وهم أوسط الأمم، وخيارهم، فاختار أفضل القبل لأفضل الأمم، كما اختار لهم أفضل الرسل، وأفضل الكتب، وأخرجهم من خير القرون، وخصهم بأفضل الشرائع، ومنحهم خير الأخلاق، وأسكنهم خير الأرض، وجعل منازلهم في الجنة خير المنازل، وموقفهم في القيامة خير المواقف، فهم على تل عالٍ، والناس تحتهم، فسبحان من:
{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم ِ} [6] .
وكان هذا الفضل من أسباب حسد اليهود - قبحهم الله- فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذِ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ السَّامُ عَلَيْكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْكَ قَالَتْ فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَتْ ثُمَّ دَخَلَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْكَ قَالَتْ ثُمَّ دَخَلَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ السَّامُ عَلَيْكَ قَالَتْ فَقُلْتُ بَلِ السَّامُ عَلَيْكُمْ وَغَضَبُ اللَّهِ إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ أَتُحَيُّونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا لَمْ يُحَيِّهِ بِهِ اللَّهُ قَالَتْ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ مَهْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ قَالُوا قَوْلًا فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَضُرَّنَا
(1) صحيح: رواه ابن ماجة في الزهد، باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، برقم 4376، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 8033.
(2) رواه البخاري في الجنائز، باب ثَناء الناسِ على الميِّتِ برقم 1343، ومسلم في الجنائز، باب فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى، برقم 2154.
(3) (البقرة/143) .
(4) الجامع لأحكام القرآن (2/ 156) بتصرف يسير.
(5) (البقرة/144) .
(6) (البقرة/105) ، وانظر: زاد المعاد 3/ 68.