تفتق ذهن عمرو بن العاص عن فكرة التحكيم التي أنقذت الجيش الشامي من الهزيمة فأرسل معاوية رجلًا تحمل المصحف إلى علي ويقول له: بيننا وبينكم كتاب الله، فقال علي: إنا أولى بذلك بيننا كتاب الله. ويبدو أن معظم الجند العراقي جنحوا إلى التحكيم، لكن كثيرًا من القراء أنكروا عليه قبوله بالتحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل [1] .
وقد انشق المحتجون من القراء واعتزلوا جيش علي محتجين بأنه محا اسمه من إمرة المؤمنين [2] . وقد مثل أبو موسى الأشعري عليًا، ومثل عمرو بن العاص معاوية في اجتماع الحكمين بدومة الجندل، وحضر الاجتماع جمع من الصحابة فيهم عبد الله بن عمر، وحاول عمرو بن العاص استمالته إلى صف معاوية قائلا:"إنَّا قد رأينا أن نبايعك فهل لك أن نعطيك مالًا وتدعها لمن هو أحرص عليها منك؟ فوثب ابن عمر مغضبًا، فأخذ ابن الزبير بثوبه فجلس وقال: ويحك يا عمرو!! بعت آخرتك بدنياك، إني والله لا أعطي عليها مالًا، ولا أقبل عليها مالًا، ولا أقبلها إلا عن رضى جميع الناس [3] . فقال عمرو: إنما قلت أجربك" [4] . وكان ابن عمر قد صرَّح مرارًا بأنه لا يقبل الخلافة إلا عن إجماع المسلمين [5] ، ومعنى ذلك عمليًا أنه لا يريد أن يتولاها.
وقد اختبره عمرو بن العاص مرةً فقال له:"يا أبا عبد الرحمن، ما يمنعك أن"
(1) ابن حجر: فتح الباري 8: 587.
(2) البلاذري: أنساب الأشراف 2: ق 60 أبإسناد حسن، وأبو نعيم: حلية الأولياء 1: 293 - 294 بإسناد صحيح، والذهبي: سير أعلام النبلاء3: 226 - 227.
(3) المصادر السابقة.
(4) أبو نعيم: حلية الأولياء 1: 293 - 294 بإسناد صحيح.
(5) ابن سعد: الطبقات الكبرى 4: 151 بإسناد حسن.