فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 494

وقد تكفلت الدولة في عصر الراشدين بدفع نفقات التعليم أحيانًا، وقام المجتمع بذلك أحيانًا أخرى، ولم يعرف عن طلبة العلم أنهم دفعوا نفقة للتعلم آنذاك.

ونظرًا لأن العلم كانت تحفظه صدور العلماء غالبًا، ويتم نقله مشافهةً، فإنَّ العلم ارتبط بالعلماء، فهو يبقى ما بقوا، وينقص إذا توفي العالم، وهذا ما يشير إليه حديث قبض العلم:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" [1] . فلا غرابة إذا اعتبر موت العالم ثلمة في الاسلام [2] ، فالعلماء ورثة الأنبياء [3] . ورثوا عنهم العلم، وهذا الاحساس بخطورة نقص العلم بسبب موت العلماء كان من أقوى الدوافع التي أدت إلى اختيار العلماء طريق تقييد العلم وعدم الاكتفاء بحفظ الصدور، ذلك الاختيار الذي كان له أهمية كبرى في حفظ علوم الاسلام، ولم يكد القرن الأول- الذي وقع فيه الخلاف والجدل حول كتابة الحديث - ينتهي حتى ظهرت أولى المصنفات دليلًا على غلبة الاتجاه نحو التدوين. ولكن حفظ الصدور لم ينقطع، بل استمر التأكد عليه قرونًا طويلة، ولا زال التعليم الاسلامي يؤكد على"الحفظ"حتى الوقت الحاضر.

وتمتع العلماء- لارتباط العلم بهم- بمكانة عالية واحترام كبير في ذلك العصر وما بعده .. قال الشعبي:"أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت، فقال: أتمسك لي وأنت ابن عم رسول الله؟ قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء" [4] . وكذلك فعل مرة مع

(1) البخاري: الصحيح (فتح الباري 1: 194 حديث رقم 100) .

(2) الدارمي: السنن، المقدمة 32.

(3) البخاري: الصحيح، كتاب العلم 10.

(4) الخطيب: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1: 188، وابن عبد البر: جامع بيان العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت