رأسي دُهنًا. ففعلوا وبرّقوا [1] وجهه بالدهن، ثم مُهِّد له فجلس وقال: أسندوني. ثم قال: إئذنوا للناس فليُسلموا عليَّ قيامًا ولا يحبس أحد. فجعل الرجل يدخل فيُسلم قائمًا فيراه متكحِّلًا مُتدهِّنًا، فيقول متقوِّل الناس: هو لمّا به [2] ، وهو أصح الناس، فلما خرَجوا من عنده [3] تمثل معاوية بقول أبي ذؤيب الهذلي الشاعر:
وتجلدي للشامتين أريهم
أني لريب الدهر لا أتضعضع
وإذا المنية أنشبت أظفارها
ألفيت كلَّ تميمة لا تنفع
وكان به النقابة [4] ، فمات من يومه ذلك [5] ، وكان يقول لما نزل به الموت: يا ليتني كنت رجلًا من قريش بذى طوى ولم أَلِ من هذا الأمر شيئًا [6] ، ومن الشعر الذي تمثل به أيضًا قول الشاعر:
إن تناقش يكن نقاشك يا ربِّ
عذابًا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز تجاوز العفو فاصفح
عن مسيءٍ ذنوبه كالتُّراب [7]
وقال رضي الله عنه وهو يُقَلبّ في مرضه، وقد صار كأنه سعفة محترقة: أي شيخ تقلِّبون إن نجاه الله من النار غدًا [8] ؟، وقال الحسن البصري: دُخل علىمعاوية وهو بالموت، فبكى، فقيل: ما يبكيك؟
قال: ما أبكي على الموت أن حل بي، ولا على دنيا أخلفها ولكن هما قبضتان: قبضة في الجنة، وقبضة في النار، فلا أدري في أي القبضتين أنا [9]
وأغمى على معاوية رضي الله عنه في سكرات الموت ثم أفاق فقال لأهله: اتّقوا الله، فإن الله يَقي من اتَّقاه ولا يَقي من لا يَتَّقي [10] ، وجعل معاوية رضي الله عنه لما احتضر يضع خده على الأرض ثم يُقلِّب وجهه ويضع الخد الآخر ويبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) ) (النساء، الآية: 48) اللهم اجعلني ممَّن تشاء أن تغفر له [11] ، ومن دعائه في ذلك اليوم:
(1) برَّقوا: لمَّعوا.
(2) لما به: اقترب أجله.
(3) البداية والنهاية (11/ 456) .
(4) النقابة: قرحة تخرج في الجنب وتهجم الجوف.
(5) البداية والنهاية (11/ 456) .
(6) المصدر نفسه (11/ 456) .
(7) البداية والنهاية (11/ 456) .
(8) البداية والنهاية (11/ 457) .
(9) كتاب المحتضرين صـ199، سكب العبرات (1/ 190) .
(10) تاريخ الطبري (6/ 245) .
(11) البداية والنهاية (11/ 457) .