وبينه، حتى كأني انظر إلى النمل يدب عليها، فحدَّثني حتى إذا استوعبت حديثه، قال: اجمعها فصُرْها إليك. فأصبحت لا أسقط حرفًا مما حدّثني [1] ، وكان يقول رضي الله عنه: إنّكم تقولون: إنَّ أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يُحدِّثون مثله وإن إخواني من المهاجرين يشغلهم الصَّفق في الأسواق، وكان إخواني من الأنصار يشغلهم عمل أموالهم، وكنت أمرأ مسكينًا من مساكين الصفة، ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه يومًا: إنَّه إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي جميع مقالتي، ثم يجمع إليه ثوبه، إلا وعى ما أقول. فبسطت نمرة عليَّ، حتى إذا قضي مقالته، جمعتها إلى صدري. فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك شيئًا [2] ، وفي رواية: إنه حدثنا يومًا فقال: من يبسط ثوبه حتى أقضي مقالتي، ثم قبضه إليه، لم ينس شيئًا سمع مني أبدًا. ففعلت فوالذي بعثه بالحق، ما نسيت شيئًا سمعته منه [3] .
وعن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أوّل منك، لما رأيت من حرصك على الحديث: إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من نفسه [4] . وكان أبو هريرة حافظًا متقنًا، ضابطًا لما
يروي، دقيقًا في أخباره، فقد اجتمعت فيه صفتان عظيمتان تتم إحداهما الأخرى، الأولى: سعة علمه وكثرة مروياته، والثانية: قوة ذاكرته وحسن ضبطه وهذا غاية ما يتمناه أولو العلم [5] ، ويذكر لنا أبو الزعيزعة كاتب مروان ما يثبت اتقانه وحفظه فيقول: دعا مروان أبا هريرة فجعل يسأله، واجلسني خلف السرير، وجعلت أكتب عنه، حتى إذا كان رأس الحول، دعابه، فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخر [6] . ولم يكن أبو هريرة راوية للحديث فقط، بل كان من رؤوس العلم في زمانه، في القرآن والسنة والاجتهاد، فإن صحبته وملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتاحت له أن يتفقه في الدين، ويشاهد السنة العملية، عظيمها
(1) سير أعلام النبلاء (2/ 594) رجاله ثقات.
(2) مسلم رقم 2492.
(3) سير أعلام النبلاء (2/ 595) مسلم رقم 2294.
(4) سير أعلام النبلاء (2/ 596) إسناده صحيح.
(5) السنة قبل التدوين صـ427.
(6) سير أعلام النبلاء (2/ 598) .