ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا يفرق في ذلك بين غني ولا فقير، أو بين أمير وحقير وأخباره في هذا الصدد كثيرة، وكان يخشى الله كثيرًا في السر والعلن، ويذكر الناس به، ويحثهم على طاعته [1] ، وكان عابدًا، يصوم النهار ويقوم الليل، ويتناوب قيامه هو وزوجته، وابنته [2] ، وكان يهتم بعمران بيته بعبادة الله تعالى فعن أبي عثمان النهدي قال: تضيَّفت ابا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا: يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا [3] فبيت أبي هريرة أشراقة مضيئة تبين لنا بيوت المسلمين في ذلك العهد، فهو بيت عامر بالصلاة طوال الليل، فأين تجد الشياطين لها مكانًا في هذا البيت؟ إنها تربية عالية على التقوى والعمل الصالح من الحافظ الكبير والعالم الرباني أبي هريرة رضي الله عنه، واستجابة كريمة من امرأة طاهرة زكية وخادم صالح مطيع. إن أبناء الدنيا حينما يكلفون خدمهم، بعمل كبير، فإنما يكلفونهم بأعمال الدنيا، ويرون أنه لا مصلحة لهم بتكليفهم بعمل الآخرة، أما أبناء الآخرة فإنه من كمال سرورهم أن يروا خدمهم يجتهدون في أعمال الآخرة، لأنهم يكسبون بذلك أجرًا على حسن توجيههم [4] .
ث ـ فقره وعفافه:
كان أبو هريرة أحد أعلام الفقراء والمساكين، صبر على الفقر الشديد حتى أنه كان يلصق بطنه بالحصى من الجوع، يطوي نهاره وليله من غير أن يجد ما يقيم صلبه [5] ، قال سعيد بن المسيب ـ رحمه الله ـ: رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق، ثم يأتي أهله فيقول: هل عندكم من شيء؟ فإن قالوا: لا قال: فإني صائم [6] ، وكان قنوعًا راضيًا بنعم الله، فإذا أصبح لديه خمس عشرة تمرة أفطر على خمس، وتسحر على خمس، وأبقى خمس لفطره [7] ، وكان كثير الشكر لله، كثير الحمد والتسبيح والتكبيرعلى ما أتاه الله من فضل وخير [8] .
(1) سير أعلام النبلاء (2/ 438) .
(2) البداية والنهاية (11/ 378) .
(3) سير أعلام النبلاء (2/ 609) .
(4) التاريخ الإسلامي (19/ 215) للحميدي.
(5) السنة قبل التدوين صـ413.
(6) حلية الأولياء (3/ 3381) .
(7) البداية والنهاية (11/ 385) .
(8) تاريخ الإسلام (2/ 335) ، سير أعلام النبلاء (2/ 439، 440) .