فيقتل أبناء القبيلة الواحدة كل في طرف [1] ، قتالًا مريرًا، وكل منهما يرى نفسه على الحق وعنده الاستعداد لأن يُقْتَل من أجله، فكان الرجلان يقتتلان حتى يُثْخِنا (وهنا وضعفًا) ثم يجلسان يستريحان، ويدور بينهما الكلام الكثير، ثم يقومان فيقتتلان كما كانا [2] ، وهما أبناء دين واحد يجمعهما، وهو أحب إليهما من أنفسهما، فإذا حان وقت الصلاة توقفوا لأدائها [3] ، ويوم قتل عمار بن ياسر صلى عليه الطرفان [4] ،
ويذكر شاهد عيان إشترك في صفين: تنازلنا بصفين، فاقتتلنا أيامًا فكثر القتلى بيننا حتى عقرت الخيل، فبعث علي إلى عمرو بن العاص أن القتلى قد كثروا فأمسك حتى يدفن الجميع قتلاهم فأجابهم، فاختلط بعض القوم ببعض حتى كانوا هكذا وشبك بين أصابعه، وكان الرجل من أصحاب علي يشد فيقتل في عسكر معاوية، فيستخرج منه، وقد مر أصحاب علي بقتيل لهم أمام عمرو، فلما رآه بكى وقال: لقد كان مجتهدًا أخشن في أمر الله [5] . وكانوا يسارعون إلى التناهي عن المنكر حتى في مثل هذه المواقع، فكانت هناك مجموعة عرفوا بالقراء، وكانوا من تلامذة عبد الله بن مسعود من أهل العراق ومن أهل الشام معًا، فلم ينضموا إلى أمير المؤمنين علي، ولا إلى معاوية بن أبي سفيان وقالوا لأمير
المؤمنين: إنا نخرج معكم ولا ننزل عسكركم، ونعسكر على حدة حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام، فمن رأيناه أراد ما لا يحل له، أو بدا منه بغي كنا عليه فقال علي: مرحبًا وأهلًا، هذا هو الفقه في الدين، والعلم بالسنة من لم يرضى بهذا فهو جائر خائن [6] . والحقيقة أن هذه المواقف منبعثة من قناعات وإجتهادات استوثقوا منها في قرارة أنفسهم وقاتلَّوا عليها [7]
(1) تاريخ الطبري، نقلًا عن دراسات في عهد النبوة صـ424.
(2) البداية والنهاية (10/ 272) .
(3) تاريخ الطبري، نقلًا عن دراسات في عهد النبوة صـ424.
(4) تاريخ دمشق (8/ 233) دراسات في عهد النبوة صـ424 ..
(5) أنساب الأشراف (6/ 56) بسند حسن.
(6) صفين صـ115، دراسات في عهد النبوة صـ424.
(7) دراسات في عهد النبوة صـ424.