بعد مدة ليعرف الداعي إلى إعراض الشيخ عن صاحبه فقال:"اكتبوا له أننا لا نتعرف إليه ما دام لا يعرف أمته ومتى فكر في إسعادها وتخفيف البلاء عنها عدنا اخوانه واخذانه"، وحدث أن صديقه الأستاذ أحمد زكي باشا نال بواسطة المرحوم أحمد حشمت باشا وزير معارف مصر اعتمادًا بعشرة آلاف جنيه لطبع مجموعة من الكتب العربية القديمة النادرة تبلغ فيما أذكر سبعة وعشرين كتابا ومنها ما يدخل في بضعة مجلدات فتباطأ زكي باشا في الطبع ومضت السنة فقيد المبلغ في نظارة المعارف على حساب السنة المقبلة ولم يخرج الباشا شيئًا وهكذا حتى ألغي الاعتماد باستقالة حشمت باشا فغضب الشيخ غضبة مضرية من عمل زكي باشا وصارحه بقوله:"لقد أسأت إلى الأمة العربية بإبطائك في إخراج الكتب للناس وإذا ادعيت أنك كنت تقصد نشرها سالمة من الخطأ مشفوعة كلها باختلاف النسخ والتعاليق فالتأنق لا حد له ويكفي أن ينتفع الناس بالموجود"وظل الشيخ أشهرًا لا يكلم صديقه الزكي إلا متكلفا كأنه عبث به وعمل الضرر إلى مصلحته مباشرة. وأي مصلحة أعلق بقلبه من نشر آثار السلف وإذ كان الشيخ عصبي المزاج يحب إتمام كل عمل لساعته وكان يستشيط غضبا من رجل قال له إن لك عندي كتابًا ولكني أنسيته في داري أو حانوتي أو مدرستي وكثيرًا ما كان يحمل من يشغله بكتاب جاءه على أن يفتح محله مهما كان بعيدًا أو مهما كان الحديث في ساعة متأخرة من الليل. ويقصد الشيخ في ذلك أن يعلم الناس العناية بمصالح غيرهم أيضا. وكان يقول في مثل هذه الأحوال ولعل في الكتاب أمرًا مستعجلًا يستدعي أن يجاب عليه في الحال (1) .
(1) ش: ج 6 م 5 ص 22 و29 غرة صفر 1318ه - جوليت 1929م.