وقد قال ابن قيم الجوزيّة في مدارج السالكين (3/ 442) : «فالافتخار نوعان: محمود، ومذموم. فالمذموم: إظهار مرتبته على أبناء جنسه ترفُّعًا عليهم، وهذا غير مراد. والمحمود: إظهار الأحوال السنيّة، والمقامات الشريفة، بوحًا بها، أي تصريحًا وإعلانًا، لا على وجه الفخر، بل على وجه: تعظيم النعمة، والفرح بها، وذِكرها ونَشْرِها، والتحدّث بها، والترغيب فيها، وغير ذلك من المقاصد في إظهارها. كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (( أنا سيّد ولد آدم ولا فخر ... ) ).
وذكر الخطابي في إصلاح غلط المحدثين (62 رقم 103) حديث: (( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) )، ثم قال شارحًا له: «يريد أنه يذكر ذلك على مذهب الشكر والتحدّث بنعمة الله، دون مذهب الفخر والكبر» .
وعقد شمس الدين ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعيّة بابًا عن هذا الموضوع، بعنوان: فصلٌ في تزكية النفس المذمومة ومدحها بالحق للمصلحة أو شكر النعمة. (الآداب الشرعية: 3/ 464 - 466) .
وانظر كتب التفسير عند قوله تعالى حاكيًا قول يوسف -عليه السلام-:"قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] . وقوله تعالى عن داود وسليمان عليهما السلام:"وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ" [النمل:15] . وقوله تعالى عن سُليمان:"وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ" [النمل:16] . وقوله تعالى حاكيًا قول يعقوب -عليه السلام-:"وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ" [يوسف:86] ."
وهي ثناءٌ من النفس للنفس، من هؤلاء الأنبياء الصفوة عليهم السلام! وهي بين ثناء لمصلحة، وشكرٍ على النِّعَمِ، وفرحٍ بالفضل الإلهي.
(3) أنه فرحٌ بالنعمة الربّانيّة، وهذا الفرح هو الذي يسمّيه الناس اعتزازًا، ويفرّقون بينه وبين الفخر المذموم. وأيّ الناس يخلو من فرح بنعم الله تعالى عليه، ويذكرها من باب الرضى عن ربه والحُبّ لعطائه -عز وجل-.
وانظر قول الله تعالى:"قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" [يونس:58] ، وشَرْحَ ابن القيم لهذا الفرح، وأنه إظهار للنعمة من دون افتخار، وإن كان ظاهره الافتخار المذموم، حتى قال في آخر كلامه عن كلمة الفرح بالنعمة: «فمصدر الكلمة والحامل عليه يُحسّنُها أو يُهجِّنُها، وصورته واحدة» . (مدارج السالكين 3/ 90) .
(4) أنه علامةٌ تُذَكّر بحقّ صاحبه، وأنه من آل بيت النبوّة، ليقوم الناس بواجبهم الذي أجمع عليه أهل السنة تجاههم.
وقد سبق كلام العالم المجدّد محمد بن عبدالوهاب في العمامة الخضراء، وهي أوضح في ظهور هذا السبب، وأنه سبب مطلوب شرعًا.
(5) أنه سبب لحفظ هذا النسب، الذي تتعلَّقُ به أحكام شرعيّة خالدةٌ خُلودَ دين الإسلام؛ حيث إن إظهاره بهذا الإظهار أدعى لحرص المنتسبين إليه على التمسُّك به، حتى بعد هذه القرون المتطاولة، ولذلك انقطعت عامّةُ الأنساب إلا أنساب آل البيت. كما أن إظهاره بهذا الإظهار يساعد على حمايته من الدخلاء عليه؛ لأنه علامةٌ بارزةٌ لدعوى النسب، فما إن يذكره أحدٌ لَقَبًا له كذبًا وادّعاءً، حتى يُعرف ويُشتهر بين الناس وعند حَمَلة هذا اللقب بحقّ أنه دعيٌّ كاذب.
وما دام لهذا اللقب مثل هذا العمل المطلوب شرعًا، وهو أنه يساعد على حفظ النسب المطلوب حفظه شرعًا، فهو لقبٌ مطلوب شرعًا أيضًا.
وهنا: أذكّر أن الحميّة للقبيلة وأبناء العمومة فطرةٌ في الناس جميعًا، وهي ظاهرةٌ في عموم العرب كلهم. وما دامت هذه الحميّة فطرةً في الناس، فلا يمكن أن يعارضها دينُ الفطرة (الإسلام) ، ولكنه هذّبها ووجّهها التوجيه النافع. وهذا التوجيه (لا الإلغاء) للحميّة القبليّة ظاهرٌ في نصوص عديدة وأحكام مختلفة، في مثل نصوص فضائل بعض قبائل العرب، وفي مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا ) )، وفي مثل دية القتل الخطأ وأنه على العاقلة، وهم أقارب القاتل خطأً وأبناء عمومته، إلى غير ذلك من نصوص وأحكام وقصص في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرة خلفائه من بعده -رضي الله عنهم -.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)