أقول هذا لأذكر أن لقب (الشريف) أَوْجَدَ حميّةً بين المنتسبين إليه، أدّت إلى حفظ النسب المطلوب حفظه، لتعلُّقِه بأحكام شرعيّة منوطةٍ بالعلم به. وغلا بعض آل البيت في حميّته كما غلا غيرهم فيها، وتجاوزوا حدَّ تهذيب الشريعة لها. لكن هذا الغلو المذموم لا علاقة له باللقب، وإنما يتعلّق بالمتلقّب به وبكونه أخطأ في الوقوف بحميّته عند الحدّ المستحسن. ولذلك كان في المتلقبين بالشريف من لا يُتّهم في دينه أو خُلُقه، ولا يرى الناسُ منه بَطَرًا ولا أَشَرًا، مما يدل على عدم التلازم بين هذا اللقب الشريف وأن يكون المتلقِّبُ به بَطِرًا متكبّرًا.
هذه كلها مقاصد مشروعةٌ وحميدة للتلقّب بالشريف، وهي تبيّن أن لهذا التلقّب معانيَ غير المعنى المذموم، وهو التعالي والتكبر. ومعنى واحدٌ من هذه المعاني كافٍ لردّ التصوّر الخاطئ الذي توهّمه (أو أوهمه) بعضُ الناس، من أن هناك تلازمًا بين التلقّب بهذا اللقب وكون صاحبه متفاخرًا الفخر المذموم.
ويبقى أن هناك أسبابًا قد تخصّ بعض المتلقّبين بهذا اللقب دون بقيّتهم: كأن يكون صاحب هذا اللقب عالمًا من أهل السنّة، فيريد بإظهار هذا اللقب أن يبيّن أن معتقد أهل السنّة لا يعارض الاعتراف بحق آل البيت، من خلال اعتناق واحدٍ من آل البيت لهذا المعتقد السُّنِّي. وفي هذا من الردّ العملي القويّ، وله من الدلالة الصحيحة السريعة، ما لا يكاد يوجد مثله في غيره نقضًا على المخالفين لأهل السنة ودفعًا لباطلهم.
أفيصحّ بعد هذا كلّه أن يُصرّ بعض الناس على إنكار التلقّب بهذا اللقب، دون أن يتثبّتوا من دواعي هذا الإنكار في أنفسهم، ودون خشية الجَوْر في الأحكام وعدم الإنصاف، الذي ظهر من ذلك التسرّع في التصوّر الخاطئ الذي قدحوه في عقولهم لمعنى هذا اللقب وللازمه.
إنّ الذين تلقّبوا بهذا اللقب ألوفٌ من الناس، بل مئاتُ الألوف قديمًا وحديثًا، وهم من أهل الشهادتين. فما أعظم وزر من ظلم هؤلاء جميعًا بأنهم أصحاب تكبّر وتعالي! وما أشدّ مناقضته لوصيّة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم!! وما أبعده من رعاية حقّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في ذريته!!!
ألم يستوقف هؤلاء المنكرين لهذا التلقّب، أن إنكارهم هذا مُحْدَث، وأن هذا اللقب مع تقادم زمانه، لم ينكره أئمة الدين على مَرّ العصور. بل كانوا يستخدمونه ويطلقونه هم بأنفسهم على آل البيت، دون أي تحرّز في مشروعيّته أو تردّد فيها.
وذكر أمثلةٍ على ذلك مما لا داعي له؛ لأنه أوضح من أن يحتاج إلى مثال، وأسهل من أن يحتاج إلى عناء الاستدلال.
ولكن لا بأس من ذكر مقتطفات من كلام أهل العلم في ذلك:
بعض أقوال أهل العلم في لقب"الشريف"
قال السيوطي في فتواه المسمّاة بـ (العجاجة الزرنبيّة في السلالة الزينبيّة) : «اسم الشريف كان يُطلق في الصدر الأول على من كان من أهل البيت، سواءً كان: حسنيًّا، أم حسينيًّا، أم علويًّا من ذرية محمد بن الحنفيّة وغيره من أولاد علي بن أبي طالب، أم جعفريًّا، أم عقيليًّا، أم عباسيًّا. ولهذا تجد تاريخ الحافظ الذهبي مشحونًا في التراجم بذلك، يقول: الشريف العباسي، الشريف العقيلي، الشريف الجعفري، الشريف الزينبي. فلما ولي الخلفاء الفاطميون بمصر، قصروا اسم الشريف على ذرية الحسن والحسين فقط، فاستمرّ ذلك بمصر إلى الآن. وقال الحافظ ابن حجر في كتاب الألقاب: الشريف ببغداد لقب لكل عبّاسيّ، وبمصر لقب لكل علوي، انتهى. ولا شك أن المصطلح القديم أولى، وهو: إطلاقه على كل علوي، وجعفري، وعقيلي، وعباسي؛ كما صنعه الذهبي، وكما أشار إليه الماوردي من أصحابنا، والقاضي أبو يعلى الفراء من الحنابلة، كلاهما في الأحكام السلطانية ... » ، إلى آخر الفتوى (الحاوي للفتاوي 2/ 32 - 33) .
وواضح من هذه الفتوى أنه يرى مشروعيّة هذا اللقب، هو ومن سمّاهم من العلماء.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)