دخلوا في دين الله تعالى بدعوتهم وفتوحهم التي كسروا بها أسوار الطواغيت الصادّة عن سماع دعوة الحق. وهذا ما قرّره علماء المسلمين، كشيخ الإسلام ابن تيميّة، في بيان فضل العرب وسبب هذا الفضل، وأنه بسبب ما حباهم الله تعالى به: في العقول والألسن والأخلاق والطباع. (انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 1/ 447، ومن أوّل هذا الفصل: 1/ 419 - 461) .
ومن ثَمَّ يكون شرفُ النسب سببًا لرفعة الدرجات في الجنّة، من جهة أنه أعون لصاحبه على العمل الصالح، كما أنّ الغنى وطول العمر وقوّة البدن عونٌ على العمل الصالح أيضًا. وكما وجب على الناس الرضا بقَسْمِ الله تعالى في الغنى وقوّة البدن وطول العمر وجمال الصورة، وجب عليهم ذلك في شرف النسب"ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" [الجمعة:4] .
وبذلك يتّضحُ أن العطاء الربّاني المحض، قد يرفع مؤمنًا على مؤمن في الآخرة. وكما نطالب الناس أن يرضوا بعطاء الله الدنيوي، نطالبهم بالرضى بعطاء الله الأخروي، بجامع كونها كلها عطاءات ربّانية، ولعلاقة العطاء الدنيوي بالأخروي كما قدمناه!
وفي الحديث الصحيح: (( إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم: كما بين صلاة العصر وغروب الشمس. أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها، حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأُعطُوا قيراطًا قيراطًا. ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأُعْطُوا قيراطًا قيراطًا. ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأُعطينا قيراطين قيراطين. فقال أهل الكتابين: أيْ ربَّنا، أعطيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنّا أكثر عملًا! قال الله: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشا ) ). (صحيح البخاري: رقم 557) .
فنقول لمن لم يؤتَ النسبَ الشريف أو الغنى أو قوّة البدن أو طول العمر: لن يظلمك ربك من عملك شيئًا، وسيجازيك ربك بإحسانك وإساءتك، وأمّا فضله سبحانه: فهو حقٌّ له تعالى يؤتيه من يشاء.
ثالثًا: أنّ من تمام حبّ الله تعالى لعبده المؤمن، أن يكون عند حُسْنِ ظن العبد به سبحانه، فيحفظه في عقبه، ويَخْلُفُه فيهم بخير، ويشفّعه فيهم يوم القيامة، ويرفعهم إلى درجته في الجنّة. وقد سبق الاستدلال على ذلك بالكتاب والسنّة، ومن الأدلّة عليه أيضًا ما جاء في قصّة الخضر -عليه السلام - مع موسى -عليه السلام-:"وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا" [الكهف:82] . فصحّ عن ابن عباس (أنه قال في تفسيرها:(( حُفِظا بصلاح أبيهما، وما ذُكر منهما صلاح ) ). [أخرجه ابن جرير في تفسيره: 15/ 366، والحاكم وصححه: 2/ 369] . فعلّق الحافظ ابن كثير على ذلك بقوله في تفسيره (5/ 186 - 187) : «فيه دليلٌ على أن الرجل الصالح يُحْفَظُ في ذُريّته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنّة، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنّة. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: حُفظا بصلاح أبيهما، ولم يُذكر لهما صلاحٌ. وتقدّم أنه كان الأب السابع» .
سبب مكانة آل البيت؟
وبهذا يتبيَّن أن مكانةَ آل بيت النبيّ -صلى الله عليه وسلم- عند ربهم -عز وجل- هي بسبب مكانة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- من ربّه -عز وجل-، وأن هذه المكانة لآل البيت هي من تمام جزاء الله تعالى ومكافأته لحبيبه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ومن عظيم ما قضى له ربّه -عز وجل- من الكرامة والإعظام والإحسان والتقريب والتشريف!!
وهنا يتّضح أن هذا التقرير لا يعارض قول الله تعالى:"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" [الحجرات:13] ، ولا قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ) )؛ لأن معنى هذين النصين وما في معناهما: أن الذي ينفع الإنسان من جهة نفسهِ تقواه، وأن ما يستحقّه من رفعة المكانة عند ربه -عز وجل- من كَسْبه هو ما عمل من الباقيات الصالحات. ولا ينافي ذلك وجود أسباب للثواب الأخروي وللرعاية والحفظ الدنيوي غير عمل المرء نفسه، كدعاء الناس له، والولد الصالح خاصّة (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: ... أو ولد صالح يدعو
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)