إن الجدل يحتدم بين أرباب الفكر حول صدق وحقيقة مصطلح الفتوحات من عدمه، حيث يساوي البعض بينه وبين الاحتلال، او الاستعمار، أو الغزو والاجتياح، ذلك أن كثيرًا من المستشرقين ومن تبعهم من المفكرين العلمانيين العرب قد خالفوا المنهج الذي خطه أصحاب الاتجاه الإسلامي، أو المعتدلين من المستشرقين، أو الكثير من العسكريين العرب، أمثال جمال الدين محفوظ، ومحمد شيث خطاب ... وغيرهما.
أولًا: مفهوم الاستعمار:
كان مفهوم الاستعمار (بسين طلبه) هو طلب الاعمار، وإن الغربي هو الرجل الأشقر الذي له المركزية في توجيه العالم .. وإن البشر خلقوا إما سادة أو عبيدًا .. وانهم الأوصياء على البشرية باعتبار البشرية الصفراء .. والسمراء والسوداء لا تستطيع أن تقود نفسها.
إلا أن الحقيقة المرة لمفهوم الاستعمار هي غير ذلك، إذ تشير بأنه"ظاهرة سياسية اقتصادية وعسكرية تتجسد في قدوم موجات متتالية من سكان البلدان الإمبريالية إلى المستعمرات ... بقصد استيطانها والإقامة فيها بشكل دائم أو الهيمنة على الحياة الاقتصادية والثقافية واستغلال ثروات البلاد. وترافق هذه الظاهرة حملات عسكرية عنيفة من أجل حماية هؤلاء المستوطنين، وإرغام سكان البلاد الأصليين على القبول بهم. أما دور هؤلاء المستعمرين الأجانب فيكمن في تأمين استمرارية النهب الاستعماري لهذه البلاد. ويؤدي هذا النوع من الاستعمار إما إلى طرد السكان الأصليين ... وإما إلى الاستئثار بالحكم والامتيازات. وهناك الاستعمار التقليدي الذي يكتفي باستغلال البلاد وحكمها بواسطة جيوشه وعملائه".
وفي المحصلة ينهب المستعمر بشكل منظم خيرات وثروات البلاد المستعمرة، ويستغل الشعب الأصلي؛ ليسخره كعمال محطمًا كرامته وشوكته، ويسعى لتدمير ثقافته وحضارته ولغته وهويته وحتى دينه إن استطاع؛ ذلك لأن المستعمر يسعى للتسلط على كل ما في البلاد وتطويعها لمصلحته، محاولًا إطالة مدة الاستعمار لأطول ما يمكن.
ثانيًا: مفهوم الاحتلال:
"هو قيام دولة بإسقاط حكومة دولة أخرى لتحكم بدلًا منها، وقد يبقي الاحتلال على الحكومة المحلية كواجهة أو أداة لتنفيذ أوامر المحتمل وتوجيهاته، وهذا لا يخرجها عن وصف الاحتلال وإنما هذه صورة من صور الاحتلال، ولكي يحدث الاحتلال فلا بد أن يسبقه غزو، لأنه وسيلة له، وهذا الغزو تبلغ ذروته في صورته العسكرية المباشرة، وذلك لان للغزو عدة صور كالغز والثقافي والاقتصادي والإعلامي".
إن سيطرة جيش دولة ما لأراضي دولة أخرى بالقوة والعنف والعداء ينجم عنه الاحتلال،"مع ما يستتبع ذلك من قيام ظروف خاصة تزول فيها سلطة الحكومة الشرعية للبلاد أو للمنطقة المحتلة. فتصبح القوة الغازية المهيمنة على إدارة المنطقة المحتلة. وبالتالي تقوم بدور السلطتين التشريعية والتنفيذية، لضمان مصالحها الخاصة. وخلق أوضاع تمكنها من استغلال ثروات الأرض المحتلة، وفرض السياسات التي تناسبها وتضطر بعض الأحيان إلى احترام حد أدنى من الحقوق الوطنية (حقوق الأفراد، وحقوق الملكية) ".
ثالثًا: مفهوم الغزو- الاجتياح:
تشير كلمة الغزو كما في المعجم الوسيط"السير إلى قتال العدو ومحاربته في عقر داره"، وهو يعني في علم السياسة"عملية دخول منظم إلى أرض تخص جماعة أخرى دون إرادة أهلها، بهدف الاستيلاء عليها واحتلالها ظلما وعدوانا. وهناك أمثلة عديدة في التاريخ الحديث على الغزو العسكري في الحروب. أما أشهر أمثلة الغزو الاستيطاني فهو الغزو الصهيوني لفلسطين بواسطة الهجرة المنظمة والحماية الإمبريالية والعنف والتهجير والاحتلال المسلح".
رابعًا: مفهوم الفتوحات:
تشير كلمة فتح البلد في المعجم الوسيط إلى"التغلب عليه وتملكه"، أما المفهوم السياسي للفتوحات فهي"ضم البلاد المفتوحة إلى الدولة الفاتحة، واعتبارها ولاية من ولاياتها، وتطبيق النظام الحاكم في البلد الأم على الولاية الجديدة"،"ولقد عرفت الفتوحات العربية مع ظهور الإسلام وبعده مبادئ أكثر وضوحا وعدالة، مستمدة جذورها من القرآن والسنة وتعليمات الخلفاء. ويعود حسن معاملة العرب لأهالي البلاد المفتوحة، إلى أن الفتوحات العربية لم تكن تستهدف استعمار الأراضي والسكان، وإنما كانت تستهدف نشر الدعوة والجهاد في سبيل الله"، وهو ما سيتضح بجلاء عند الحديث عن الفتوحات الإسلامية والتي امتدت من حدود الصين
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)