و قد يتساءل قارئ أو يقول قائل: كيف قتل عثمان رضي الله عنه و بالمدينة جماعة من كبار الصحابة رضوان الله عليهم؟ و هو سؤال وضعه ابن كثير في البداية والنهاية (7/ 197 - 198) ثم أجاب عنه و قد شاركه المالقي في التمهيد والبيان (ص 131 - 132) في الإجابة، موضحين ما يلي:-
أولًا: إن كثيرًا من الصحابة أو كلهم لم يكونوا يظنون أن يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الخوارج لم
يكونوا يحاولون قتله عينًا بل طلبوا من أحد أمور ثلاثة: إما أن يعزل نفسه أو يسلم إليهم مروان بن
الحكم أو يقتلوه. و كانوا يرجون أن يسلم إليهم مروان - لأتهم يتهمونه بأنه هو الذي كتب الكتاب
على لسان عثمان يأمر فيه والي مصر بقتلهم، و هذا لم يثبت و ليس هناك دليل صحيح - أو أن
يعزل نفسه و يستريح من هذه الضائقة الشديدة. و أما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، و لا أن
هؤلاء يجرؤن عليه إلى هذا الحدّ.
ثانيًا: إن الصحابة دافعوا عنه، لكن لما وقع التضييق الشديد عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم حقنًا
لدماء المسلمين ففعلوا، فتمكن المحاصرون مما أرادوا.
ثالثًا: أن هؤلاء الخوارج اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في موسم الحج و غيبتهم في الثغور و الأمصار،
و ربما لم يكن في المتبقين من أهل الدينة ما يقابل عدد الخوارج الذين كانوا قريبًا من ألفي مقاتل.
رابعًا: إن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار لحماية عثمان رضي الله عنه، لكن عثمان علم أن في
الصحابة قلة عدد و أن الذين يريدون قتله كثير عددهم، فلو أذن لهم بالقتال لم يأمن أن يتلف من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه كثير، فوقاهم بنفسه إشفاقًا منه عليهم لأنه راع
عليهم، و الراعي يجب عليه أن يحفظ رعيته بكل ما أمكنه، و مع ذلك فقد علم أنه مقتول فصانهم
بنفسه - حقنًا لدماء المسلمين-.
خامسًا: أنه لما علم أنها فتنة، و أن الفتنة إذا سلّ فيها السيف لم يؤمن أن يقتل فيها من لا يستحق القتل،
فلم يختر لأصحابه أن يسلوا السيف في الفتنة إشفاقًا عليهم، و حتى لا تذهب فيها الأموال و يهتك
فيها الحريم فصانهم عن جميع هذا.
سادسًا: يحتمل أن يكون عثمان رضي الله عنه صبر عن الانتصار ليكون الصحابة شهودًا على من ظلمه،
و خالف أمره و سفك دمه بغير حق، لأن المؤمنين شهداء الله في أرضه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (6/ 286) : و من المعلوم بالتواتر أن عثمان كان من أكف الناس عن الدماء و أصبر الناس على من نال من عرضه و على من سعى في دمه، فحاصروه و سعوا في قتله و قد عرف إرادتهم لقتله، و قد جاءه المسلمون ينصرونه و يشيرون عليه بقتالهم، و هو يأمر الناس بالكف عن القتال، و يأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم .. و قيل له تذهب إلى مكة فقال: لا أكون ممن الحد في الحرم فقيل له تذهب إلى الشام فقال: لا أفارق دار هجرتي، فقيل له: فقاتلهم، فقال: لا أكون أول من خلف محمدًا في أمته بالسيف.
فكان صبر عثمان حتى قتل من أعظم فضائله عند المسلمين.
و مما يناسب هذا المقام ذكر كلام الإمام الآجري في كتاب الشريعة (4/ 1981 - 1983) عن موقف الصحابة في المدينة من حصار المنافقين لعثمان رضي الله عنه.
قال الآجري: فإن قال قائل: فقد علموا أنه مظلوم وقد أشرف على القتل فكان ينبغي لهم أن يقاتلوا عنه،
و إن كان قد منعهم. قيل له: ما أحسنت القول، لأنك تكلمت بغير تمييز. فإن قال: ولم؟ قيل: لأن القوم كانوا أصحاب طاعة، وفقهم الله تعالى للصواب من القول و العمل، فقد فعلوا ما يجب عليهم من الإنكار بقولهم و ألسنتهم و عرضوا أنفسهم لنصرته على حسب طاقتهم، فلما منعهم عثمان رضي الله عنه من نصرته علموا أن الواجب عليهم السمع و الطاعة له، و إنهم إن خالفوه لم يسعهم ذلك، و كان الحق عندهم فيما رآه عثمان رضي الله عنه و عنهم. فإن قال: فلم منعهم عثمان من نصرته وهو مظلوم، و قد علم أن قتالهم عنه نهي عن منكر، و إقامة حق يقيمونه؟ قيل له: وهذا أيضًا غفلة منك. فإن قال: وكيف؟ قيل له: مَنْعه إياهم عن نصرته يحتمل وجوهًا كلها محمودة:-
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)