فإنهم حين يحاولون تحريف معنى النصوص الشرعية الدالة على التحريم؛ فإنهم يجدون أهل العلم يتصدون لهم بهذه العبارة: (أجمع علماء المسلمين على تحريم كذا وكذا) .
أو: (أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على تحريم كذا)
أو: (أجمع أهل العلم على أن معنى هذه الآية - أو الحديث - هو كذا) .
فلم يجدوا مَفَرّا إلا بِهَدْمِ هذا السيف المُسَلَّط على رقابهم؛ إنه سيف"الإجماع".
فإذا انهدم هذا الأصل الخطير العظيم: انطلقوا بعد ذلك في تحريف معاني الآيات والأحاديث الدالة على التحريم, فيزعمون أن معناها مُحتمل, وعند الاحتمال يسقط الاستدلال - بزعمهم -, وبذلك لا يتبقى أمامهم إلا أن الأصل في الأشياء هو الإباحة.
وهنيئا لهم بالإباحة!!
الهدف الثاني:
الهروب من قول العلماء: (أجمع أهل العلم على أن معنى الآية - أو الحديث - هو كذا) .
فإنهم يُواجَهون بهذا القول كلما حاولوا تحريف الآيات - أو الأحاديث - التي تُقرر أصول العقيدة الصحيحة.
فكان لابد أَوَّلًا لأهل الأهواء والبدع مِنْ هَدْمَ هذا الأصل (الإجماع) , ثم يخلو لهم - بعد ذلك - الطريق لتحريف معنى النصوص الشرعية بما يتفق مع أهوائهم وبدْعَتِهم التي يريدون زرعها في قلوب المسلمين.
المطلب الثالث: بيان الأدلة القطعية على حجية الإجماع:
العالِمُ المجتهد الذي يقوم باستقراء وتَتَبُّع أقوال علماء الأمة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم في حكم مسألة ما؛ إذا وَجَدَ عامَّتهم قد تتابعوا - مع تطاول الزمان - على النطق بنفس الحكم الشرعي؛ على الرغم من اختلاف بلادهم وأماكنهم؛ بحيث لا يُعْلَم أحدٌ يُخالفهم في ذلك - مع تطاول الزمان -؛ فإن هذا التتابع - مع عدم العثور على مخالف لهم مع شدة البحث والاجتهاد فيه - تكون نتيجته القطعية هي أن يستقر في النفس والعقل اتفاقُ كل علماء الأمة المجتهدين - في زَمَنِهِم - على هذا الحكم الشرعي.
وفي عصرنا الآن وُجد فريقان:
الفريق الأول:
سَلَّمَ بما سَلَّمَ به عامَّةُ علماء الأمة - على مَرِّ الزَّمَان - من حجية هذا الإجماع وتحريم مخالفته.
الفريق الثاني:
غلبه شيطانه, فخالف سبيل علماء الأمة, واتبع سبيل الضالين - كالنَّظَّام الزنديق وفرقة الرافضة الضالة - فَشَكَّكَ في حجية هذا الإجماع, وأَبَاحَ مخالفته.
حوار هاديء مع منكري حجية الإجماع:
في الحالة التي وصفناها: أنتم تُنكرون أن يكون هذا هو إجماع كل علماء الأمة.
فما رأيكم في أن نسميه بـ (إجماع كل علماء الأمة الذين عُرِفَ قولهم في المسألة) ؟
فأنتم حتما تعترفون بأن هذا هو إجماع كل علماء الأمة الذين عُرِفَ قولهم في المسألة.
ولا تستطيعون إنكار ذلك؛ لأنكم ستعجزون - قطعا - عن الإتيان بواحد مُخالف لهم.
حسنا؛ نحن الآن نتفق على ذلك.
والآن سنقيم عليكم - بعون الله تعالى - الأدلة القطعية الصحيحة الصريحة التي تدل أن هذا الحكم الذي نطقوا به - هو الحق الذي يرضاه الله تعالى قطعا, وأن ما سواه هو الباطل الذي ليس من شرع الله قطعًا.
وبعد أن نُثْبِت أنَّ (( إجماع كل العلماء الذين عُرف قولهم ) )هو حجة قطعية = لن يكون أمامكم مَفَرٌّ من التسليم بتحريم مخالفة هذا الحكم الشرعي الذي اتفقوا عليه.
وإليكم:
الأدلة القطعية على حجية الإجماع:
الإجماع طائر له جناحان (أو قاعدتان) , يَقُوم بهما:
الجناح الأول: أنه يستحيل أن يخلو عصر من ناطق بالحق.
الجناح الثاني: ضمان الله تعالى حفظ أقوال أهل العلم التي بها يُحفظ الدين. وإليكم التفصيل:
تقرير القاعدة الأولى:
يستحيل أن يخلو عصر من ناطق بالحق.
1 -أمرنا الله تعالى بالنهي عن كل منكر , فقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) . آل عمران (آية 104)
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)