ـ [أم البراء السلفية] ــــــــ [02 - 06 - 10, 05:10 ص] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
المذكرة الثانية
انطباعات الطفلة الأولية
جلسنا على الأرض، كما هي العادة في المساجد، لكنه نظام ظل ساريًا في كل البيوت التي تنقلتُ بينها تلميذةً أو مريدة قبيسية فيما بعد .. وكنت يومها طفلةً قادمة من دار كبيرة خارج دمشق، من قطنا، حيث تدعوك الحديقة والفِناء المحيط بالدار إلى الحركة الدائبة الدائمة
دخلت الآنسة شبه محمولة، إذ تسابقت الصبايا إلى استقبالها في أسلوب وجوّ بدا جديدًا وغريبًا جدًا علي
لا يمكن بالطبع تذكُّرُ موضوع الدرس ذاك، وحتى فيما بعد .. إذ كانت الدروس تبدأ بآية أو حديث أو قصة تنطلق منها الآنسة إلى الوعظ والتذكير والتأنيب والتوبيخ: منفّرةً من حب الدنيا مذكّرةً بالموت، يتخلل ذلك قصص كثيرة، تؤيد الفكرة التي توردها، دونما حرص على الالتزام بموضوع محدد.
من ذلك الدرس بالذات أذكر قصة رجل اشتكى إلى شيخه أنه لا يرى محمدًا صلى الله عليه وسلم في منامه أبدًا فنصحه الشيخ بأن يأمر امرأته بصنع أكلة كبّة شديدة الملوحة، ويكثر منها قبل النوم، دون أن يشرب الماء
ولما عمل المريد بنصيحة شيخه لم ير في منامه النبي صلى الله عليه وسلم بالطبع، بل رأى نفسه يتنقل من نهر إلى نهر، ومن بحيرة إلى بحيرة يريد أن يشرب .. سخر منه الشيخ وقال تريد أن ترى النبي بعد أكلة كبة، وبيّن له القصد من أوامره، وأن من أراد أن يرى محمدًا فيجب أن يكون شديدَ الشوق إليه، أو شيئًا من هذا القبيل
أدهشتني كثرة النسوة وتفاعلهن مع الآنسة في حديثها الجذاب البارع: كانت تلقي بالنكات والقصص وتضرب الأمثلة من الواقع الحي، ولا تبخل بالتأنيب والتوبيخ والتقليل من شأننا- معاشرَ البشر اللاهين الغافلين
وخرجت من الدرس متحمسة إلى المواظبة على صلاتي والإكثار من ذكر الله تعالى
أمران اثنان فقط، جعلاني أشعر بالارتباك من حديث الآنسة: أنها استخدمت اللهجة العامية أكثر من العربية الفصحى، وأنها ترفع الكلفة بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، وكلا االأمرين مما لم أعتد عليه لدى من سمعتهم يتحدثون في شؤون الدين من حولي
كنت مدعوة للنوم في بيت قريبتي، فلما عدنا معًا بدأت ألاحظ التغير الذي طرأ عليها: حاجباها متروكان تمامًا، وكانت تنظفهما وتنظمهما، شعرها معقوص إلى الخلف، ملابسها أبسط، لا تكاد تشكل من جسمها شيئًا .. جُلُّ حديثها وحديث أختها ينصب على ذكر الآنسة: قالت، فعلت، أوصت، حكت .. وقد ترددان بعض الأقوال أو الأحاديث التي تسمعانها منها باستمرار: لعن الله النامصة والمتنمّصة، من لا شيخ له فشيخه الشيطان، واستاكوا عرضًا .. وبدا لي فعلًا أن البيت يعيش حالة جديدة لم أعهدها، رغم أن أمّهما عابدة ذاكرة تقومُ الليل مذ وعَيت وجودها
استغرق الأمر بضع سنوات، قبل أن أدرك وأتعلم أن هنالك حديثًا صحيحًا وآخر موضوعًا وآخر ضعيفًا. وأن من الفقهاء من لا يرى بأسًا في الاستشهاد بالحديث الضعيف (إذا قوّاه غيره) في أبواب الترغيب والترهيب، وإن كنت أجد أن في كلام الله تعالى، وفي صحيح حديث محمد صلى الله عليه وسلم سعة وكفاية لترغيب المسلم وترهيبه، والله أعلم
من أحاديث الصديقات والقريبات- ومعظمهن انخرطن في الجماعة- فهمت أن الآنسة منيرة، قبل تفرغها للدعوة، كانت مدرسة بارعة في مادة العلوم الطبيعية (الأحياء) وأنها تتفوق بخاصة في الرسم التوضيحيّ، بحيث يكون مسح السبورة بعد حصتها أمرًا محزنًا
ومن مصادر أخرى لا تحبّذ خطّ الآنسة، سمعت (بعد أن أصبحت تلميذة في جماعتها) أنها تتلمذت على يد الشيخ (أحمد كفتارو) الذي كان أبوه شيخًا وعالمًا فاضلًا جدًا، لكن الابن لم ير بأسًا في أن يكون مفتي البلاد التي استولى حزب البعث على الحكم فيها سنة 1963 بانقلاب عسكري، ملغيًا ما كان يسمى حياة ديموقراطية عرفتها سورية بعد رحيل المستعمر الفرنسي سنة 1946. وهو الحزب الذي لا يخفي علمانيته وفق مصطلحاتنا الحديثة، بل اشتهر عنه عداؤه للدين والمتدينين
ـ [أم البراء السلفية] ــــــــ [02 - 06 - 10, 05:14 ص] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
المذكرة الخامسة (استوقفتني كثيرًا)
أضيفها لكم
محاولة للحديث في المضمون
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)