"بم سبقتني إلى الجنة؟ دخلت الجنة فسمعت خشخشتك بين يدي!". قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال، وحاشا لبلال أن يسبق رسول الله إلى الجنة، ولكنها مواصلة البر بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومداومة الوفاء له، فهو يمشي بين يدي النبي في الجنة كما كان يمشي بين يديه في الدنيا، حفاظًا عليه وصونا لنفسه الشريفة من الأذى، قال الحافظ ابن حجر:"وكأنه أشار إلى بقاء بلال على ما كان عليه في حال حياته واستمراره على قرب منزلته، وفيه منقبة عظيمة لبلال".
ووفاء بلال لرسول الله صلوات الله عليه يفوق الوصف، بله وفاءه لله ولدعوة الحق، التي كانت سببًا في شدة أذاه، حتى احتمل مالا يحتمله أحد، من التنكيل، والضرب، والتفنن في صنوف العذاب، قال محمد بن إسحاق:"… وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، وكان أمية يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على ظهره …"قال عبد الله بن مسعود:"… وأما سائرهم (يعني باقي السابقين للإسلام) فآخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، ثم صهروهم في الشمس، فما منهم أحد إلا واتاهم على ما أرادوا إلا بلالًا، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان (يعني: وهو مقيد يزحف) فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد."
وبعد عتقه رضي الله عنه، كان لله وللإسلام أكثر وفاءً، فقد شهد بدرًا والمواقع، وفتح مكة، وأذن فوق الكعبة يوم الفتح، وكان عابدًا مجاهدًا، قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:"إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله". ويبدو أن أبا بكر تركه للعبادة والجهاد في سبيل الله على اختلاف بين الروايات في ذلك.
نعم: كان بلال سيدًا، كما قال عمر بن الخطاب:"أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا"، فالسيادة و النبالة ليست بالنسب، وإنما بالانتماء للشرف والمجد وعلو الدرجات، ومن ثم فقد أنصف الحافظ الذهبي حين أدرجه في"سير أعلام النبلاء"، وقال:"من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله، شهد بدرًا، وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم - على التعيين - بالجنة، وحديثه في الكتب"
سعد بن معاذ:
وهو رجل الشدائد والمواقف والناصر في ساعات العسرة، عرف مصعب بن عمير والصحابة الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم، لإشراقه وتسهله، وكان إسلامه فتحًا للإسلام ولقومه من الأوس، فأسلموا جميعا، قال ابن هشام"قالوا: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة"
وأول ما تلمح في سيرة سعد رضي الله عنه في الإسلام، هو مدى إفادته من مكانته وموقفه الاجتماعي في توسيع إمكانات الدعوة، وتمديد عطاءاتها. وهو ملمح يحتاجه كل صاحب منصب، أو رئاسة، أو زعامة؛ ها هو ذا في أبان غزوة بدر، والنبي يريد اهتبال الفرصة ليشفي صدر المهاجرين من عدوهم من الكفار، الذي أخرجوهم من ديارهم أموالهم لأنهم قالوا: ربنا الله.
وكان الأنصار قد بايعوا رسول الله في العقبة على منعه وحمايته في ديارهم، فلما عزم النبي- صلوات الله عليه- على الخروج استشارهم في جماعة أصحابه ليتحسس ما عندهم، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشارهم ثانية وثانية، فأدرك سعد بن معاذ- بحسه الصادق، وذكائه الصافي - أنه إنما يريد الأنصار، وهنا ينطق الوفاء والولاء والمسئولية الرفيعة على لسان سعد"يا رسول الله: كأنك تعرض بنا؛ لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا علبها ألا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم؛ فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت، … فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك".
أخلاق السيادة وتبعاتها:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)