وهذا مذهب القدرية، والقدرية مجوس هذه الأمة [43] واعلم أن اليهودية، والنصرانية، والإسلام، وغير ذلك مِن الأديان هي ألقاب مختلفة، وأسامٍ متغايرة، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف، ثم قال -أي: أنشد الحلاج شعرًا بعد ذلك-:
تفكرت في الأديان جدًا محققًا فألفيتها أصلًا لها شُعُبٌ جمًّا
فلا تطلين للمرء دنيا فإنه يُصد عن الأصل الوثيق وإنما
يطالبه أصل يعبر عنده جميع المعالي والمعاني فَيُفْهَما
يقول: الأديان كلها واحدة، ولا يجوز لك أن تقول لأحدٍ: إنَّك يهودي، أو نصراني، كل الديانات حق، وكلها طرق موصلة إلى الله! هكذا يقول، وهنا تلتقي الماسونية الحديثة بهذه الأفكار القديمة، ومثل هذا قول ابن عربي:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه دانِ
لقد صار قلبي قابلًا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنَّى توجهت ركائبه فالحبُّ ديني وإيماني
يقول: ابن عربي: ديني دين الحب -كما قلنا سابقًا أن الثيوصوفية محبة الله- فدينهم دين الحب فقط، فمَن أحب الله على أي ملة، وعلى أي نحلة -يهوديَّة كانت أو نصرانيَّة أو إسلامية- فهو حبيب الله عندهم، ولا ينكَر عليه على الإطلاق، هنا تلتقي الصوفية مع الماسونية، وهنا ندرك لماذا الماسونية تشجع التصوف؟
لأنَّ الماسونية تحت هذا الكلام يهدمون الأديان جميعًا ليبنوا هيكل سليمان، ودين اليهودية فقط، فيطلبون مِن الناس أن يتركوا أديانهم.
أمَّا اليهود فدينهم مغلق، فهم لا يريدون أن يدخل أحدٌ في دينهم أبدًا، فلا يدْعون أحدًا إلى دينهم، فيريدون مِن أهل الأديان الأخرى أن يتخلوا عنها، وأن يتركوها، وأن يساهموا جميعًا في بناء هيكل سليمان.
الماسونية والصوفية تلتقي هنا، والمؤسسون متفقون مِن الأصل وإلى الآن، ولذلك لا عجب أن نرى الماسونية والدول التي تحركها الماسونية في الخفاء تدعم التصوف وتنشره وتحقق تراثه، وتفتتح أقسام الدراسات العليا ونحوها عن الإسلام، وما هي عن الإسلام شيء، وإنما هي عن هذا التصوف.
أقول هذا لنعرف حقيقة هذا الدين، وحقيقة الدوافع التي تدفع الصوفية لإظهار القبائح -كما يسمُّونها- وعند استعراضنا للكرامات سنجد الكثير مِن مثل هذه الأمور، ونعرف علتهم، وهدفهم وراء ذلك كله.
8 -باب الكرامات المذكورة عند الصوفية
الكرامات -كما يسمُّونها- هي: أحوال، منها كرامات، ومنها استغاثات، وسأعرض بعضها عرضًا سريعًا، وهذه موجودة في كتبهم مثل طبقات الشعراني والمشْرَع الروي في فضائل آل با علوي وجامع كرامات الأولياء.
يقول عبد القادر الطشطوشي: ' أرباب الأحوال مع الله كحالهم قبل الخلق وإنزال الشرائع'.
كرامات ابن عيسى
يُعد أبو بكر بن عيسى أحد أكابر الأولياء عند الصوفية يقولون عنه: ' كان كثير الاستغراق، ويخبر بالمغيبات، ويرجع إليه في المعضلات، وكان أهل البلاد إذا سافروا في البحر، وحصل لهم شدة يذكرونه، وينذرون له بشيءٍ؛ فيرونه عندهم عِيانًا، فينجيهم الله تعالى ببركته، وإذا جاءوا إلى بلدته طالبهم بالنذر الذي نذروه له '.
كرامات محمد بن عباس
وهذا الفقيه محمد بن عباس الشعبي يقول: ' رأيت ذات ليلة في المنام أن القيامة قد قامت، ورأيت النَّاس مجتمعين في صعيدٍ واحدٍ، حفاةً عراةً كما جاء في الخبر [44] وأنا مِن جملتهم عريانًا، ورأيتُ موضعًا مرتفعًا، والقاضي محمد بن علي -الولي صاحب الكرامة- واقفًا عليه، وعليه ثيابه كلها حتى العمامة، والنَّاس محدقون به، فهرولت إليه، فلما دنوتُ منه سمعتُه يقول: كلكم في شفاعتي فاطمأنوا!! فقلت له: وأنا معهم؟
فقال: وأنت معهم '.
كرامات الضجاعي
وهذا أبو عبد الله محمد بن يوسف اليمني الضجاعي يذكرون مِن كراماته أنَّه رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقول له: ' إن أردت أن يفتح الله عليك بالعلم فخذ مِن تراب قبر الضرِّير شيئًا وابتلعه على الريق؛ ففعل الفقيه ذلك، فظهرت بركته '.
كرامات شمس الدين الحنفي
يروون عن أحدِ كبرائهم، وهو المسمَّى: شمس الدين محمد الحنفي أنَّه أوصى في مرض موته فقال: ' مَن كان له حاجة فليأت إلى قبري، ويطلب حاجته أقضها أنا! '
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)