فحملت نفسي جهد الطاقة، واشتغلت ثمانية أيام، منها يومان في قراءة الديوان وأربعة في كتابة المقالة ويومان في تنقيحها وتبييضها
ومقالة شوقي أخذت أربعة أيام في قراءة ديوانه وأربعة أيام في الكتابة ويومين في التبييض وفي طول هذه المدة لم أستطع أن أنام أكثر من خمس ساعات في اليوم وأحيانا أربع أو ثلاث
.أما تفسير الآية [ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون] التي سألت عنها فقد راجعت التفاسير أول من أمس فلم أر فيها ما يقنع والذي ظهر لي أن (شيئا) في الآية بدل (من رزقا) وهذا الإعراب نبه / إليه المفسرون وجعلوه ضعيفا مع أن فيه كل القوة، لأن المراد من الآية أن هؤلاء (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض) وهنا يعترض هؤلاء أنفسهم بأنهم يعتقدون أن معبوداتهم تملك ذلك وإلا فلم عبدوها؟ فجاءت لفظة (شيئا) لبيان أن كل ذلك وهم وتخيل وضلال إذ لا معنى للرزق إلا إذا كان (شيئا) لا وهما فقط ولا شيء ترزقه هذه المعبودات من السموات والأرض. فإذا كانت لا ترزق شيئا على الإطلاق، فهي على الإطلاق ليست شيئا إلا ما توهموه منها، وهذا كالذي توهموه فيها فالأمر فيهم وفيها كله وهم وضلال، ولهذا جاء بعد ذلك (ولا يستطيعون) وعبر هنا بضمير الجمع العاقل مع أن في أول الآية (ما لا يملك) فدلت الكلمة الأخيرة على أن المراد أن هؤلاء العابدين ومعبوداتهم كالأوهام المحضة لا هي تستطيع أن ترزقهم شيئا كائنا ما كان من السموات والأرض أي ولو ذرة ولا هم يستطيعون أن يجعلوها قادرة على شيء من ذلك.
(فشيئا) هذه معجزة الآية كلها، ويستحيل أن ينتبه إليها عقل بشري ويجيء بها في هذا الموضع. وتكون النتيجة التي ترمي إليها الآية بهذا التعبير، أن المعبود الحق هو القوة الأزلية المالكة للإيجاد المطلق، أي الواحد الأحد وهو الله لا غيره وما عدا ذلك فهو من اختراع أوهام الناس، موجود في الوهم معدوم في الواقع والمعنى.
أما أن شوقي أشعر من البارودي فهو الواقع لأن البارودي لا يزيد على قوة الأسلوب وفخامته، ولكن الشعر في معاني شوقي ومواضيعه، والبارودي من هذه الناحية ضعيف جدا، والفرق بينه وبين شوقي في هذا كالفرق بين زمن شوقي وزمن البارودي
وأبو شادي من المخلصين لنا والمتعصبين أيضا
.أما سر اللغة فالغرض منها تنبيه وزارة المعارف إلى أن مجمعها لن يفلح وأنهم إلى الآن لم يهتدوا إلى السر الذي يجب أن يبحثوه ولا يفلحون إلا إذا اهتدوا إليه.
هذه الدنيا غريبة وما دامت لا تكون دنيا إلا إذا كانت غريبة فليس فيما هو غريب شيء غريب، والحقيقة ينبغي أن تكون فوقها لا فيها. ولهذا فليس للإنسان إلا الله وحده. الإيمان به، والفكر فيه، والعمل الصالح لوجهه. هذه هي خطتي الجديدة ولا راحة للقلب إلا فيها
وديوان ابن زيدون لا بأس به وهو صغير في الأصل ولكنهم ثرثروا فيه على ما يظهر ولا ثقة بمن صححوه وشرحوه.
والمدرسة التي أخذت هذا النشيد هي مدرسة البنات الثانوية للأقباط وابنتي زينب هناك وهي الأولى والحمد لله
العقاد انتقد في المقتطف كلمة كنت خطأت فيها شوقي، وهي رفع جواب الشرط حين يكون فعل الشرط ماضيا، والنحاة جميعا أجازوا هذا فانتهزها العقاد، ولكن النحاة في رأيي مخطئون، وقد كتبت ردا طويلا جعلناه كالفخ للعقاد، فإني أظهرت غلط النحاة وتركت له أن يجيب هو عنهم لنرى كيف يتخبط في هذا الباب.
لأن العبرة بالغلطة التي لا يمكن ردها لا بالرأي الذي لا يعدم رأيا آخر ينقضه مهما كان صوابا
لقد قرأت أوراق الورد في هذا الأسبوع بعد أن فرغت من قراءة رواية لشكسبير وأخرى للامارتين، وفي ظني أن أوراق الورد يرجح عليهما بكثير في معانيه وبيانه، ولكن هو الحظ!
لقد فر العقاد من المناقشة النحوية التي فتح بابها في المقتطف وأعلن هزيمته وسأسجل عليه هذه الهزيمة في المقتطف نفسه، وكنت لا أصدق أنه يفر! وكان كل الذين اطلعوا على كتابتي في المقتطف عن المسألة النحوية يؤكدون لي أن العقاد سيسكت ولا يرد لأنها عقدة لا يمكن حلها وهذه المسألة نشرت في مقتطف فبراير (سنة 1933)
أحضرت تلميذنا وصاحبنا الأستاذ سعيد العريان وهو الذي كان الأول في امتحان دار العلوم
(يُتْبَعُ)