وبين القرآن أن سبيل الدعوة الصحيحة وهو سبيل المرسلين الدعوة على بصيرة يقول - تعالى- في سورة يوسف (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) ) (108) قال أبو جعفر: يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته {سبيلي} وطريقتي ودعوتي أدعو إلى الله وحده لا شريك له {على بصيرة} بذلك، ويقين علم مني به أنا، ويدعو إليه على بصيرة أيضًا من اتبعني وصدقني وآمن بي {وسبحان الله} يقول له - تعالى- ذكره: وقل تنزيهًا لله وتعظيمًا له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه: {وما أنا من المشركين} يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به لست منهم، ولا هم مني، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى قال أخبرنا إسحاق قال حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس في قوله: (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ) )يقول: هذه دعوتي حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ) )قال: {هذه سبيلي} هذا أمري وسنتي ومنهاجي {أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} قال: وحق والله على من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة، وينهى عن معاصي الله"، حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس قوله: {قل هذه سبيلي} هذه دعوتي حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن أبي جعفر عن الربيع: {قل هذه سبيلي} قال: هذه دعوتي. (4) يقول الهروى - رحمه الله - في المنازل في الكلام على نفس الآية:"يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم وهى البصيرة التي تكون نسبة المعلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهذه هي الخصيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة، وهى أعلى درجات العلماء، قال - تعالى-: (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) )أي أنا واتباعى على بصيرة، ومن اتبعني كذلك يدعو إلى الله على بصيرة، وعلى القولين فالآية تدل على أن أتباعه هم أهل البصائر الداعون إلى الله - تعالى-، ومن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان أتباعه على الانتساب والدعوى) (5) .
فنرى من تفسير السلف لهذه الآية أن"البصيرة"يجب أن تكون من سمات القائد والأتباع أيضًا لا ينفرد بها أحد دون الآخر، ونرى كذلك أن القرآن قد أخبرنا عن قوم ضلوا بسبب عدم تفعيل عقلهم وتفّكرهم، واتّبعوا ما عليه الآباء وهم أصحاب"العقلية الآبائية"، وهم الذين قالوا: (( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) ) (الزخرف23) فحين عطلوا تفكيرهم عن إبصار الحق ارتكسوا هم وآباءهم في الضلال المبين.
2-ومن أسباب طرح الموضوع ما تقوم به قوى الضلال بتطبيق ما يسمى بسياسة"تجفيف المنابع"أي تجفيف رموز الفكر والدعوة الإسلامية من الالتقاء والدعوة إلى الجماهير، وبذلك تبقى الجماهير بعيدة عمن يرشدها ويوجهها إلى طريق الحق، فتصبح هذه الجماهير وحيدة بدون توجيه أو إرشاد، وتصبح بقدر فريسة سهلة لدهاقنة الباطل لتلبّس عليهم دينهم، وطبعًا قلَّ أن يظهر من بين هؤلاء الجماهير من يقول"أنا لها"، وذلك لعدم وجود من يربى على إيجاد عقول إبداعية، أو ما يطلق عليه بالصف الثاني من الكوادر الدعوية إلا ما رحم ربك، وللحديث بقية إن شاء الله.
* المقالة جزء من مبحث للباحث بعنوان"أزمة العقل المبدع".
ثبت المراجع:
1-تفسير الطبري تفسير سورة النحل.
2-د. محمد العبدة"بعض أسس التفكير كما جاءت في القرآن الكريم"ص3 من سلسلة دروب النهضة طباعة دار الصفوة بمصر.
3-الطاهر بن عاشور"النظام الاجتماعي في الإسلام"نقلا عن المصدر السابق ص4.
4-تفسير الطبري تفسير سورة يوسف.
5-فتح المجيد شرح كتاب التوحيد طبعة دار الفتح ص77. 5.