د - وقال تعالى:"ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم" [القلم:10-11] ، قال الشوكاني: (الهماز: المغتاب للناس) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فلا يطاع المكذب والحلاف ولا يعمل بمثل عملهما.. فإن النهي عن قبول قول من يأمر بالخلق الناقص أبلغ في الزجر من النهي عن التخلق به..) .
ثانيًا: من السنة المطهرة:
أ - قال صلى الله عليه وسلم:"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"، قال ابن المنذر: (قد حرم النبي- صلى الله عليه وسلم- الغيبة مودعا بذلك أمته, وقرن تحريمها إلى تحريم الدماء والأموال, ثم زاد تحريم ذلك تأكيدا بإعلامه بأن تحريم ذلك كحرمة البلد الحرام في الشهر الحرام) .
ب - وقال صلى الله عليه وسلم:"من أربى الربى الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"، وفي رواية لأبي داود: (إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق) ، قال العظيم آبادي في شرحه لأبي داود: (الاستطالة: أي إطالة اللسان في عرض المسلم) أي في احتقاره والترفع عليه والوقيعة فيه .
ج - وعن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم-:"حسبك من صفية أنها قصيرة, فقال:"لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته"ومعنى لو مزجت: لو خلطت بماء البحر على فرض تجسيدها وكونها مائعة، ومعنى لمزجته: أي غلبته وغيرته وأفسدته، قال المبارك فوري: (المعنى أن الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن حاله مع كثرته وغزارته, فكيف بأعمال نزرة خلطت بها؟!) ."
د - ولما رجم الصحابة ماعزا -رضي الله عنه-, سمع النبي- صلى الله عليه وسلم- رجلين يقول أحدهما لصاحبه:(ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه, فلم تدعه نفسه حتى رُجم رَجم الكلب، فسار النبي- صلى الله عليه وسلم- ثم مر بجيفة حمار, فقال:"أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار!"فقالا: يا نبي الله من يأكل هذا؟ قال:"ما نلتما من عِرْض أخيكما آنفا أشد من أكلٍ منه"، والنيل من العرض السباب والقول بما يكرهه ذلك الغائب.
ثالثًا: من أقوال السلف:
-كان عمرو بن العاص -رضي الله عنه- يسير مع أصحابه, فمر على بغل ميت قد انتفخ, فقال: (والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه خير من يأكل لحم مسلم) .
-وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه: (الغيبة مرعى اللئام) .
-وعن كعب الأحبار: (الغيبة تحبط العمل) .
-ويقول الحسن البصري: (والله للغيبة أسرع في دين المسلم من الآكلة في جسد ابن آدم) .
-قال سفيان بن عيينة: (الغيبة أشد من الدَّيْن, الدين يقضى والغيبة لا تقضى) .
-وسمع علي بن الحسين رجلا يغتاب, فقال: (إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس) .
رابعًا - أسباب التخلق بخلق الغيبة:
1-ضعف الورع ونقص الإيمان يجعلان الإنسان يستطيل في أعراض الآخرين من غير روية ولا تبصر، جاء في حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-, في قصة الإفك, أن زينب بنت جحش, لما سئلت قالت: (يا رسول الله أحمي سمعي وبصري, ما علمت إلا خيرًا,"تقول عائشة- رضي الله عنها-:وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فعصمها الله بالورع) ، قال الفضيل بن عياض: (أشد الورع في اللسان) ."
2-ومن أسباب التمادي في الغيبة موافقة الأقران والجلساء ومجاملتهم، قال الله على لسان أهل النار:"وكنا نخوض مع الخائضين" [المدثر:45] ، قال قتادة: (كلما غوى غاوٍ غوينا معه) .
3-ومن الأسباب: الحنق والحقد على المسلمين وحسدهم والغيظ منهم: قال ابن تيمية: (ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد) ، وقال ابن عبد البر: (والله لقد تجاوز الناس الحد في الغيبة والذم..."، وهذا كله بحمل الجهل والحسد."
4-ومنها حب الدنيا والحرص على السؤدد فيها: قال الفضيل بن عياض: ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس وكره أن يذكر أحد بخير.
خامسا - كيف نتخلص من هذا الخلق الذميم؟
1-بتقوى الله -عز وجل- والاستحياء منه: ويحصل هذا بكثرة التمعن بآيات الوعيد التي جاءت في كتاب الله -عز وجل- وأحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم- التي رغبت في التوبة وحذرت من مثل هذه القبائح. قال تعالى:"أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون" [الزخرف:80 ] وقال -صلى الله عليه وسلم:"استحيوا من الله حق الحياء, قلنا يا رسول الله إنا نستحي والحمد لله، قال:"ليس ذاك, ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى وليحفظ البطن وما وعى، وليذكر الموت والبِلى"."
2-لنتذكر مقدار الخسارة التي نخسرها كلما اغتبنا أحدا , قال صلى الله عليه وسلم: