العقل، وإطلاقه من إساره، لينظر ويبدع، ويستنبط ويمارس الحياة ويفكر في ملكوت السماوات والأرض ما استطاع، وكان هذا الاتجاه الذي تأثرت به أوربا أثناء اتصالها بالمسلمين، يعتبر بحق أساس التقدم العلمي الباهر الذي وصل إليه الغرب الآن. ومع هذه الحركة العقلية حدثت ردة الفعل ضد الدين - كل دين - عنيفة بسبب موقف تعاليم الكنيسة الباطلة، فحدث هذا الانفصام المزعوم بين الدين والعلم، فقامت هذه الحضارة الغربية على المادية البحتة والعلمانية والإلحاد، فكان من جراء ذلك أن أصيبت البشرية بالخواء الروحي الذي لا يقل خطرًا على مصير الإنسانية من تعنت الكنيسة من قبل، فاتجه العلم والتقدم إلى تهديد البشرية بالدمار وكلما زاد التقدم العلمي في الغرب زادت الفجوة بين الدين والحياة الواقعية، وبين المادة والروح، فأنشأ هذا الفصام أجيالًا حائرة قلقة، لا تعرف للفضيلة قيمة ولا للسعادة معنى، تحمل حتفها بعلمها وتقدمها، فاعتنقت مذاهب نكدة فاسدة تعذبت بها أيما عذاب . كالشيوعية والفوضوية ( ) ، والوجودية، وكثرت النظريات الهدامة وحركات الهيبز والإباحية، وجاءت هذه التيارات المتناقضة كلها إلى العالم الإسلامي وساهمت في نشأة الاتجاهات والمذاهب الهدامة وأبرزها العلمانية بين المسلمين. هذا وكان لليهود والمنظمات والمؤسسات التي تخدمهم أكبر الأثر في توجيه هذه التيارات لإفساد الأديان والأخلاق. ب- الدراسات الاستشراقية: عندما نبحث تاريخ الاستشراق، نجد أنه مر بمرحلتين أولاهما - ولا تهمنا كثيرًا في مثل هذا البحث - مرحلة سلبية بالنسبة للغربيين، وهي مرحلة النقل والتلمذة على المسلمين، حين كانت أوربا ترسل بعثاتها العلمية للاستفادة من الحضارة الإسلامية، المزدهرة في الأندلس والمغرب ومصر والشام، وسائر بلاد المسلمين، وهذه المرحلة مبكرة جدًا، ولم يكن فيها المستشرقون إلا مجرد نقلة وعالة على المسلمين، وما كانت دوافعهم إلا إفادة قومهم وبلادهم في الغالب، وهذه الحركة الاستشراقية الأولى هي التي بدأت منها بذور التنور الفكري والعلمي في أوربا فيما بعد، كما ذكرت آنفًا. وهذه المرحلة كانت قبل الحروب الصليبية وقبل سقوط الأندلس الإسلامية. أما المرحلة الثانية من مراحل الاستشراق: فهي مرحلة هادفة من قبل الغربيين وهي مرحلة دراسة الإسلام أولًا - وهو المهم - عقيدة وشريعة وتاريخًا، ودراسة سائر أحوال الشرق وأديانه وعلومه وتاريخه . والذي يهمنا هو الجانب الإسلامي في هذه الدراسات. وهذه المرحلة تبدأ مع نهاية الحروب الصليبية وأفول الحضارة الإسلامية في الأندلس مع نهاية القرن الخامس عشر الميلادي ( ) ، حيث بدأت دراسة الإسلام وتاريخه، بأسلوب لا يخلو من العصبية، من أمثال: بوستل ( 1505 - 1581م ) وفاتيه ( 1613 - 1667م ) والباجو (توفي: 1520م ) والأب ماراتشي ( 1602 - 1700م ) ( ) . ومع بداية القرن التاسع عشر بدأت الدراسات الاستشراقية بأسلوب أشمل وأكثر تنظيمًا، بروح دينية صليبية ويهودية واستعمارية غربية حاقدة ماكرة، أكثر من ذي قبل . لأنها واكبت الاحتلال الغربي للعالم الإسلامي، وكانت أهم دوافعها خدمة هذا الاحتلال لزعزعة كيان المسلمين ماديًا ومعنويًا، كما أنها انبثقت عن روح الانتقام من الأمة الإسلامية التي غزت أوربا في عقر دارها، وطردتها من الشرق كله، وقضت على الدولة النصرانية، ولا ننسى أن الغرور العلمي المتغطرس الذي يحمله الغربيون بعد تقدمهم الحضاري، جعلهم يدرسون الإسلام بروح الناقد المحتقر، والخصم والحكم، والعدو المنتصر والمتشفي المنتقم. ومع الاحتلال الغربي للعالم الإسلامي، في القرن التاسع عشر، بدأت البحوث والدراسات والأفكار الاستشراقية، تغزو العالم الإسلامي من الداخل، وتشكل عاملًا أساسيًا من عوامل نشر وإبراز الاتجاهات العلمانية والمذاهب الهدامة وكانت كلها تدور حول الآتي ( ) : أ- إثارة الشبه والاعتراضات في العقيدة الإسلامية. ب- الطعن في صحة القرآن لكريم والسنة النبوية والرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته. ج- التشكيك والتهكم بالمغيبات بدعوى أنها تخالف العلم الحديث ولا تثبت علميًا. د- إثارة الشبه حول الشريعة الإسلامية في أصولها ومناهجها، ودعوى أنها من بقايا العصور المظلمة، ولا تصلح للعصر الحديث ن ومن ثم إبعادها عن مجال التطبيق. هـ- إعادة تقييم الإسلام، عقيدة، وشريعة، وتاريخًا من جديد على ضوء العلم المادي الحديث، ومن ثم التطاول لإدانة الإسلام. و- فصل الأجيال المسلمة بكل وسيلة عن ماضيهم الإسلامي، وربطهم بالغرب بدعوى الاحتياج والمسايرة والتطور. وكل هذه البحوث والدراسات صارت هي المرتكز الأول في الاتجاهات الفكرية الحديثة كما سنرى بعد إن شاء الله. ج- الاحتلال الغربي لديار الإسلام: قد لا يهمنا كثيرًا تاريخ الاستعمار قبل القرن الثامن عشر، لأنه لم يكن ذا خطر بالنسبة لموضوعنا هذا، فالاستعمار الهولندي والبرتغالي لبلاد الإسلام كان قبل هذا التاريخ، وكانت