فهرس الكتاب

الصفحة 913 من 27345

والشواهد على رحمته ً لاتقف عند هذا الحد؛ فنعيش مع جانب آخر من سيرته ، سيرته مع أزواجه: ففي حجة الوداع أصاب عائشة رضي الله عنها الحيض مما منعها أن تعتمر كما اعتمر الناس، فتقول للنبي ً: يذهب الناس بحج وعمرة وأذهب بعمرة؟ فيقول الراوي: وكان ً هينًا لينًا إذا هوت أمرًا تابعها عليه. ومن تأمل سيرته وهديه في تعامله مع زوجاته يلمس ذلك واضحًا من رحمته ً وشفقته بهن

رحمتة ً بالأطفال:

جاء أعرابي -كما تروي عائشة رضي الله عنها- إلى النبي ً فرأى أمرًا لم يعهده رآه يقبل الصبيان فقال: تقبلون الصبيان؟ قال ً: نعم، قال الأعرابي: إنا لا نقبلهم فقال ً:"أوأملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟". إذًا فهذا الأعرابي الذي ما اعتاد أن يقبل الصبيان وأن يداعبهم، جاء إلى النبي ذاك الرجل الذي يهابه الناس ويتحدثون عنه، ويغذ الناس سيرهم إليه ً لتكتحل أعينهم برؤيته، وحُق لهم كذلك فمن رآه وآمن به فقد ثبت له فضل لا يثبت لأحد من البشر، ثبت له فضل الصحبة؛ فيستغرب هذا الأعرابي أن يرى مثل هذا الرجل العظيم في مكانته ومنزلته يتعامل مع الصبيان هذه المعاملة.

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ً قبل الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس رضي الله عنه فاستنكر هذا السلوك ولم يألفه، قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدًا منهم، فنظر إليه النبي وقال:"من لا يَرحم لا يُرحم".

ويصلي ً بأصحابه كما روى ذلك عبد الله بن شداد رضي الله عنه -وهو عند الإمام النسائي- فيسجد فيأتي الحسن أو الحسين فيرقى على ظهره ؛ فيطيل السجود حتى ظنوا أنه نسيً ، فلما فرغ من صلاته قال:"إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أقوم قبل أن يقضي حاجته".

إن هذا القلب الرحيم العظيم ليأبى أن يزعج هذا الطفل الصغير ويقلقه؛ فيطيل ً سجوده والناس وراءه ينتظر أن يقضي هذا الصبي حاجته فيقوم من نفسه.

ويسمع ً بكاء الصبي وهو يصلي وقد نوى أن يطيل الصلاة فيوجز فيها حتى لا تفتن أمه.

رحمته ً بالبهائم والدواب:

وتتجاوز رحمته ً ذلك كله إلى الحيوان والبهيمة؛ فيروي عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي دخل حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل فلما رأى النبي حنّ وذرفت عيناه فأتاه ً فمسح ظفراه فسكت، فقال ً:"من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟"فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال له:"أفلا تتق الله في هذه البهيمة ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه". رواه أبو داود.

الله أكبر لهذا القلب الرحيم العظيم ، مع ما يحمل ً من عبء الرسالة لا لأصحابه بل للبشرية أجمع، للثقلين الإنس والجن ومع ما يحمله من هم وجهد يجد هذا الحيوان البهيم مكانًا رحبًا واسعًا في قلب هذا الرجل العظيم ؛ فيأتي إلى النبي ً وقد عرف عنه الرحمة؛ فيشتكي إليه، فيجيب الشكوى ً ، ويسأل عنه صاحبه ليخبره بشكوى هذه البهيمة.

ويروي الإمام أبو داود في سننه من حديث سهل بن الحنضلية رضي الله عنه أنه ً مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة وفي صحيح الإمام مسلم أن عائشة رضي الله عنها ركبت بعيرا وكانت فيه صعوبة فجعلت تردده فقال لها رسول الله عليك بالرفق وكان ً في سفر كما روى ذلك أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رضي الله عنه قال كنا مع النبي ً في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تعرش فلما جاء رسول الله قال: من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها"."

والحديث معشر الأخوة الكرام ليس حديثا عن رحمته ً بالبهائم المعجمة والدواب والحيوان إنما هي إشارة إلى أن ذلك القلب العظيم الرحيم الذي وسعت رحمته هذه الدواب لابد أن يكون أرحم وأرفق بأولئك الذين خلقهم الله سبحانه وتعالى، وخلق كل ما في هذه الأرض لهم (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) .

أفلا يتقي الله أولئك الذين حملهم الله أمانة المسلمين وأمانة الجيل فلئن كان من يتولى هذه البهيمية عرضة للمسألة والإنكار من محمد ً ، فكيف بأولئك الذين دعا عليهم ً ؟

رحمتهً تتجاوز حدود عصره:

تتجاوز رحمة النبي ورأفته بأمته عليه أفضل الصلاة وأتم والسلام ذلك العصر الذي عاشه ً ، وذاك الجيل الذي عاشره ليضع هذه الضمانة لمن بعده فيدعو ربه تبارك وتعالى"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليه فاشقق عليه"فيضع هذا نبراسًا وهديًا لكل من يتحمل أمانة ومسؤولية في أمة محمدأجمع إلى أن تقوم الساعة، ويدعو ربه تبارك وتعالى وتقدس أن يرفق بمن يرفق بأمته، وأن يرحم من يرحم أمته، وأن يشق على من يشق عليها

أمره بالرحمة وحثه عليها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت