وهذا القسك كم التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بُعِثَ فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كانوا مقرين به قال تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز الحكيم) (8)
فهم يُقِرُّون بأن الله هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السموات والأرض. وليم ينكر أحدٌ معلوم من بني آدم، فلم يقل أحد من المخلوقين: إن للعالم خالقين متساويين..
فلم يجحد أحد توحيد الربوبية لا على سبيل التعطيل، ولا على سبيل التشريك، إلا ما حصل من فرعون فإنه أنكر على سبيل التعطيل مكابرة، فإنه عطل الله من ربوبيته وأنكر وجوده قال تعالى حكاية عنه (فقال أنا ربكم الأعلى) (9) (وما علمت لكم من إله غيري) (10) . وهذا مكابرة منه لأنه يعلم أن الرب غيره كامل قال الله تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا) (11) . وقال تعالى حكاية عن موسى وهو يناظره (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض) (12) . فهو في نفسه مُقرٌّ بأن الرب هو الله عز وجل.
وأنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك المجوس حيث قالوا: إن للعالم خالقين هما الظلمة،والنور، ومع ذلك لم يجعلوا هذين الخالقين متساويين..
فهم يقولون: إن النور خير من الظلمة؛ لأنه يخلق الخير، والظلمة تخلق الشر ، والذي يخلق الخير خير من الذي يخلق الشر.
وأيضًا: فإن الظلمة عدم لايضيء، والنور وجود يضيء، فهو أكمل في ذاته.
ويقولون ايضًا بفرق ثالث وهو: أن النور قديم على اصطلاح الفلاسفه واختلفوا في الظلمة هل هي قديمة، أو محدثة؟ على قولين.
دلالة العقل على أن الخالق للعالم واحد:
قال تعالى: ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) (13)
إذ لو أثبتنا للعالم خالقين لكان كل خالق يريد أن ينفرد بما خلق ويستقل به كعادة الملوك، إذ لايرضى أن يشاركه أحد.
وحينئذٍ إذا أراد السلطان، فإما أن يعجز كل واحد منهما عن الآخر، أو يسيطر أحدهما على الآخر، فإن عجز أحدهما عن الآخر ثبتت الربوبية للقادر، وإن عجز كل منهما عن الآخر زالت الربوبية منهما جميعًا؛ لأن العاجز لا يصلح أن يكون ربًّا.
(1) سورة الاعراف ، الآية:54
(2) سورة فاطر الآيه:3
(3) صحيح البخاري (كتاب اللباس/باب عذاب المصورين يوم القيامه) رقم 5495
(4) سورة آل عمران الآيه189
(5) سورة المؤمنون الآيه88
(6) سورة المؤمنون الآيه6
(7) سورة النور الآية61
(8) ورة الزخرف الايه9
(9) سورة النازعات الآيه24
(10) سورة القصص الآيه 38
(11) سورة النمل الآية 14
(12) سورة الاسراء الآيه 102
(13) سورة المؤمنون الآيه91
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات:
وهو إفراد الله - عز وجل - بما له من الأسماء والصفات.
وهذا يتضمن شيئين:
الأول: الإثبات، وذلك بأن نثبت لله - عز وجل - جميع أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه r.
الثاني: نفى المماثلة، وذلك بأن لا نجعل لله مثيلًا في أسمائه وصفاته؛ كما قال تعالى: )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير( [الشورى: 11] . فدلت هذه الآية على أن جميع صفاته لا يماثله فيها أحد من المخلوقين؛ فهي وإن اشتركت في أصل المعنى، لكن تختلف في حقيقة الحال، فمن لم يثبت ما أثبته الله لنفسه؛ فهو معطل، وتعطيله هذا يشبه تعطيل فرعون، ومن أثبتها مع التشبيه صار مشابهًا للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ومن أثبتها بدون مماثلة صار من الموحدين.
وهذا القسم من التوحيد هو الذي ضلت فيه بعض الأمة الإسلامية وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة؛ فمنهم من سلك مسلك التعطيل، فعطل، ونفى الصفات زاعمًا أنه منزه لله، وقد ضل، لأن المنزه حقيقةً هو الذي ينفي عنه صفات النقص والعيب، وينزه كلامه من أن يكون تعمية وتضليلًا، فإذا قال: بأن الله ليس له سمع، ولا بصر، ولا علم، ولا قدرة، لم ينزه الله، بل وصمه بأعيب العيوب، ووصم كلامه بالتعمية والتضليل، لأن الله يكرر ذلك في كلامه ويثبته، )سميع بصير (، ) عزيز حكيم (، ) غفور رحيم(، فإذا أثبته في كلامه وهو خال منه؛ كان في غاية التعمية والتضليل والقدح في كلام الله - عز وجل ـ، ومنهم من سلك مسلك التمثيل زاعمًا بأنه محقق لما وصف الله به نفسه، وقد ضلوا لأنهم لم يقدروا الله حق قدره؛ إذا وصموه بالعيب والنقص، لأنهم جعلوا الكامل من كل وجه كالناقص من كل وجه.
وإذا كان اقتران تفضيل الكامل على الناقص يحط من قدره، كما قيل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
فكيف بتمثيل الكامل بالناقص؟! هذا أعظم ما يكون جنايةً في حق الله - عز وجل ـ، وإن كان المعطوف أعظم جرمًا، لكن الكل لم يقدر الله حق قدره.
فالواجب: أن نؤمن بما وصف الله وسمى به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله r، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف ، ولا تمثيل.
هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم.