ومما يستحق الذكر أن العرب لم يتركوا شيئًا، لم يستنبطوا له اسمًا في لغتهم كالمعدة والهواء والجوهر والشخص والأفق وخسوف القمر وكسوف الشمس والصدى والعرش والسفر والشاعر والقصيدة إلى غير ذلك، فإن هذه الأشياء مع كون أكثرها طبيعيًا ومحسوسًا، وما فيها من أخص ما يتعلق بعيش الناس العمرانية، لا تجدها لها أسماء في كثير من اللغات المعروفة، فاضطر أصحابها إلى أن يسموها بأسماء أعجمية، فإن اللاتين والسريان والجرمانيين وسائر الأمم ###39### الإفرنجية يسمون تلك الأشياء بأسماء يونانية إلا واحدًا أو اثنين منها اتخذوه من اللاتينية، هذا عدا الألفاظ الاصطلاحية المختصة بالعلوم والصناعات، فإن هذه كلها إلا قليلا قد أخذها جميع الأمم من اليونان ما عدا العرب، ومما يتبين من باشروا فنون أدب لغتهم في القرن الأول من تملكهم على بلاد المشرق، نالوا في قليل من الزمان الغاية من ذلك، ومنذ أول مباشرتهم، وضعوا أصول علم النحو، ورسموا اصطلاحاته، وتوغلوا فيه، وتفننوا في دقائقه حتى إنهم في قليل من السنين، أوصلوه إلى غاية الكمال وفي كل ذلك لم يحتاجوا إلى كتب أجنبية، ولا إلى ألفاظ أعجمية، وفي هذه الخلة، قد فاقوا سائر أمم العالم، ويقول الدكتور عبد الكريم جرمانوس: إن أهم المميزات التي تلفت النظر في اللغة العربية هو"ازدواجها"ويقول وليم مرسيه: إن العبارة العربية كالمزهر إذا نفرت أحد أوتاره رنت لديك كل الأوتار، فالعبارة عن المتانة ما لا يبقى معه شيء يحجب مصدرها عن الناطق بها أو المستمع لها، وبذلك كان اللفظ في اللغة العربية يذكرك بالأرومة التي اشتق منها، ولعل هذا الشعور العميق بالمصدر يفوق شعورك باللفظ عينه. ويقول يوهان فك: ###40###"لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد التالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها إلى زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر، وإذا صدقت البوادر، ولم تخطئ الدلائل، فستحتفظ العربية بهذا المقام العتيد من حيث لغة المدنية الإسلامية ما بقيت هناك مدنية إسلامية"، ويقول ميليه: إن اللغة العربية لم تتراجع في أرض دخلتها لتأثيرها الناشئ من كونها لغة دين ولغة مدنية. ويشير جوستاف جورنياوم إلى سعة اللغة العربية وقوة بيانها يقول: أما السعة فالأمر فيها واضح، ومن يتتبع جميع اللغات لا يجد فيها لغة تضاهي اللغة العربية، ويضاف جمال الصوت إلى ثروتها المدهشة في المترادفات، وتزين الدقة، ووجازة التعبير. وتمتاز العربية بما ليس له ضريب من اليسر في استعمال المجاز، وأن ما بها من كنايات ومجازات واستعارات ليرفعها كثيرًا فوق كل لغة بشرية أخرى، ولها خصائص جمة في الأسلوب والنحو ليس من المستطاع أن يكتشف لها نظائر في أي لغة أخرى، وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني، وفي النقل إليها، يبين ذلك أن الصورة العربية لأي مثل أجنبي أقصر في جميع الحالات، وأن الفارابي على حق حين يبرر مدحه العربية بأنها كلام أهل الجنة. ويشير جورج سارطون ###41### إلى قدرة العربية على الاشتقاق فيقول: إن خزائن المفردات في اللغة العربية غنية جدًا، ويمكن لتلك المفردات أن تزاد بلا نهاية، ذلك لأن الاشتقاق المتشابك والأنيق يسهل إيجاد صيغ جديدة من الجذور القديمة بحسب ما يحتاج إليه كل إنسان على نظام معين، لنأخذ مثلا، الجذر"س ل م"سلم معناها: نجا، سلَّم: حيا، ألقى السلام أو التحية، سالم: دخل في السلم، أسلم: انقاد وخضع، الإسلام: الخضوع لله، تسلم: أخذ شيئًا من يد غيره، السلام: التحية، السلم: خلاف الحرب، سليم: صحيح غير مريض، التسليم: الرضى والقبول، الاستلام: لمس الحجر الأسود. وهناك: مسلم، متسلم، مسالم وغيرها مما يعيا أحيانًا على الحصر.
ويقول بروكلمان: إنه بفض القرآن بلغت العربية من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أي لغة من لغات الدنيا، والمسلمون جميعًا يؤمنون بأن العربية هي وحدها اللسان الذي أحل لهم أن يستعملوه في صلواتهم، وبهذا اكتسبت العربية منذ زمان طويل مكانة رفيعة، فاقت جميع لغات الدنيا الأخرى.
###42### ويقول فان ديك: إنها أكثر لغات الأرض امتيازًا، وهذا الامتياز من وجهين: الأول من حيث ثروة معجمها والثاني من حيث استيعاب آدابها.